مع سريان الهدنة في عدة أرجاء من سوريا ، حل هدوء نسبي في عدة محافظات ، وعمت المظاهرات وخرج الشعب ليرفع نفس الشعارات والتي ثار من أجلها : إسقاط النظام ،في رسالة للعالم مفادها ، أن الشعب السوري لم ولن يستسلم رغم بطش النظام الغاشم وحلفائه ورغم المحن وقساوة العيش وضراوة المعارك وطول المحنة ، لن يرفع الراية البيضاء ، ولازال مصرا على مطالبه في نيل الحرية والكرامة ..
شعب أبيّ يتطلع لحياة كريمة في وطنه ، يقاوم القهر بالصمود والصبر والأمل ، النظام الغاشم هو من غيب المظاهرات السلمية بفعل براميله المتفجرة والقصف الروسي الغاشم ، خرج الشعب ليفند أكاذيب النظام ، الذي يزعم أنه يقاتل ما يسميه (الإرهاب) ، وهو يغتال شعب صدح بصوته مطالبا بالحرية والكرامة ..
خرجوا من بين الأنقاض ليذكروا العالم بثورتهم السلمية ، والتي أدماها الطاغية بنيران دباباته وعسكرها ، وحتى يقولون له لن نستكين ولن نتراجع مهما علا طغيانك ،فالشعب لازال يستميت على مطالبه ، لازالت الحناجر تردد نفس الشعار : إسقاط النظام ، الذي مزق أوصال سوريا ، وأذاق شعبها كل أصناف الويلات ، شعب حيّ ودماء الحرية تسري في شرايينه ، يقارع عدوان النظام ببسالة وصمود..
شعب يتعالى على جراحه ويرسم البسمة على الثغور ، كله أمل في أن يكلل الله صبره وصموده بالنجاح وتشرق شمس الحرية والتي طال انتظارها وتزيح عن كاهليه العناء ، وأن يطهر وطنه من درن الباطل وأن يتخلص من الطغيان وأن ينعم بظلال الحرية بعيدا عن أزيز الطائرات المرعب ، وعن آلة الحقد التي حصدت آلاف الأرواح البريئة ، خرجوا ليدحضوا روايات النظام الغاشم فيما يدعيه محاربة (الإرهاب) ويقولون له لن يثنينا حقدك ولن توقفنا براميلك المتفجرة عن مبتغانا ..
هذا هو الشعب الذي ثار على نظام غاشم ودفعه هذا الأخير لحمل السلام للدفاع عن كرامته وعرضه ووطنه ، مع أن هذه المناطق التي عمت بالمظاهرات هي بحوزة المعارضة المعتدلة ، لم يخرجوا ضدها فهي تدافع عن حياض سوريا وتدفع صلف الغزاة وترد كيدهم ، وهي من حررتها من براثن الظلم، بل خرجوا ضد النظام الغاشم من دمر سوريا ومن هجر الآلاف ومن اغتال البسمة بل ومن اغتال الحياة برمتها في كل ارجاء سوريا الجريحة..
شعب يتوق لحريته ، بإرادته قوية وعزيمة لا تلين ، رغم جرحه النازف لم يدب الخور أو الضعف في جسده ، ولم تفت في عضده المحن والأهوال والخطوب ، لازال صلب المراس ، ولازال مصرا على اكمال مشواره حتى دحر الغزاة من على أرضه الطاهرة ، ولا زالت الثورة مستمرة وتشق طريقها نحو الحرية وتتحدى كل العقبات ..
القلب الطيب منحة من الله عز وجل وصفة جليلة وخلق محمود ، فالإنسان الطيب ، طاهر القلب كصفحة ناصعة البياض ، صافي الروح سليم النية ، نقي السريرة ، متسامح كريم معطاء ، يتمنى الخير للناس ، لا يحسد غيره على نعم حباها الله له ، بل ينظر في المقابل لنعم ساقها الله له ، فيحمد الله عليها وترتاح نفسه وتصفو روحه ..
صاحب القلب الطيب يحس بآلام الغير ، يتعاطف مع كل مظلوم ، يجتهد لرفع الظلم عنه ، يفرح لفرح الغير ويقرح لحزنهم ، يخفي ألمه وراء ابتسامته ، ويداري حزنه حتى لا يكدر صفو أحبته أو ينغص فرحتهم ..
قلب مفعم بالمحبة والعطف والحنان والعطاء وو..
وحتى تعم هذه الصفات الحميدة ننشرها فيما بيننا ، حتى تسود في مجتمعاتنا ، فحين تغيب طيبة القلوب يحل محلها الأنانية والبخل والحقد والحسد وسوء النية والريبة والشك ، وكل أمراض القلوب ..
ولا يقدر قيمة القلب الطيب ،إلا من اتصف بها ، وغُرس هذا الخلق السامي في قلبه ، فلنحرص على مصاحبة الطيبين ، وليكونوا لنا القدوة ..
صحبتهم خير ،فهم ملح الأرض وبلسم الجراح ونور يبدد دياجير الظلام ، يفتحون لنا أبواب الأمل على مصراعيه ، فتقوى العزيمة وتذلل العقبات وتهون المصاعب وتعلو الهمة ، لا مكان لليأس في قاموسهم ، ينسجون خيوط التفاؤل، فيخف العناء ، وتتطلع الروح لمستقبل يحمل بين طياته تباشير الخير ، بإذن الله ..
عندما خرج الشعب في سوريا ، نادى بالاصلاح ، فرد عليه النظام بنيران دبابته ، عندما خطت أنامل الاطفال في درعة عبارات للحرية نكل بهم ، وعندما ثار الشعب في 25 يناير في مصر مطالبا بحقوقه : حرية عدالة اجتماعية كرامة ، ثورة سلمية أدهشت العالم ، انقلب العسكر على المسار الديمقراطي وجعل من الارهاب فزاعة ليقمع الربيع العربي ويئد ثورة الشعب ، وحتى عندما حافظ الشارع على سلميته أدماها الانقلاب وعصف بكل مكتسبات الثورة ..
وهكذا قس على كل البلدان التي شهدت الربيع العربي ، استأسدت الثورة المضادة ، بل وتحالف الاستبداد مع أعداء الامة لقمع الشعوب والسعي لاعادتهم لحظيرة الاستبداد ، صحيح أن الربيع العربي حوصر وانتكس وتعثر قطاره ، لكنها ليست نهاية المطاف ، فثمار التغيير لها وقت لتنضج ، والربيع العربي ليس مؤامرة كما يتوهم البعض ، لكنه تآمر عليها شياطين الانس والجن لاجهاضه في مهده ،وإلا فهو تطور طبيعي للاحداث ، فالظلم لن يدوم وله وقت ويزول ..
والرسالات هي أيضا ثورة ، ثورة على الظلم ،..وعندما يحيد القطار عن مساره الصحيح وينتشر الظلم وتهدر الحقوق وتعبد الاصنام بشتى أنواها ويحل التيه وتهوي البشرية لمستنقع آسن من الطغيان ، يبعت الله من يعيد القطار لسكته الصحيحة ، ويرفع الظلم ويعيد للنفوس صفاءها وينقي القلوب مما علق بها من الشوائب وما ران عليها من صدأ حتى افقدها بهاءها ، تأتي الرسلات لتصلح الواقع وتزرع الخير في النفوس ليثمر رحمة وطمأنينة وعدلا وانصافا ومحبة وإيخاءا وترسو بالسفينة لبر الامان ، فيختار الله عز وجل من عباده ذوي الامانة والصدق والاخلاق ليرشدوا الناس لطريق الهداية ويحررونهم من الجور والظلم ..من مقالي السابق : الرسالات ثورة على الظلم
وما نراه اليوم مما يدمي القلب ويحز في النفس ويدمع العين من مجازر ولجوء ومحن ومعاناة وقوارب الموت وو..، ليس مرده للربيع العربي أو مرده لشعوب تفتقد للوعي أو شعوب لا تدرك مراميها ..كلا ، بل هي من مفرزات الاستبداد ، وتغول الثوارت المضادة ، الغرب نصب أدواته لتأمين مصالحه ورأى في الربيع العربي تهديدا حقيقيا لمصالحه فأوعز لادواته بقمع الشعوب والتنكيل بهم ، وإن فشلت أدواته في تأمين مصالحه تدخل هو بنفسه لتأمينها عبر شعارات زائفة محاربة ما يسميه (الارهاب) ، الاستبداد مستعد لقتل الشعب كله وبيع الارض ، المهم أن يفلت من المحاسبة والمساءلة ، ولو كانت ثمة آذانا صاغية ، تقدم مصالح الاوطان ، لكان لصوت الشعب صدى ..
الاستبداد يقتل روح الابداع ويقلب الحقائق ويشوه صورة المصلحين ويزج بهم في غياهيب السجون وهو المسؤول الاول عن تخلف الامة وبقائها في ذيل القافلة ، البيئة الغير النظيفة تكون مرتعا للأوبئة ، وتحرير العقول مما تكدس فيها لعقود ، لا يتأتى إلا بإزاحة المسببات ، والفتوحات الاسلامية لم تكن لاكراه الناس على الايمان كلا ، بل لان الطغيان والظلم حال دون بلوغ الحق لقلوب الناس ، قارعوا الظلم وحرروا الناس من عقال الجور ، فأقبلت على الاسلام طواعية بل وكانت من جنده الاوفياء ..
الاستبداد يحول دون استقلالية قرار الامة ، ودون امتلاكها للقوة ، فلا نهضة ولا تقدم ولا ازدهار ولا كرامة ولا حرية ولا عدل في ظل استبداد يكمم الافواه ويمسك بكل مفاصل الدولة وله أذرع يسخرها لخدمة مصالحه ، ويفرط في خيرات الامة ، كيف يتسنى لك التغيير وأنت لا تملك آلياته؟! وعند إزاحة الاستبداد تتحرر العقول وتبدع وتتميز وتطالب بالانصاف وتحقق للامة ما تصبو إليه وتحقق الغاية من خلقنا ..
الاستبداد ينتج أمة جبانة تفرط في حقوقها ، أما في ظل العدل والحرية تقوم أمة لا تقبل الضيم أمة كريمة ، تدافع عن حقوقها وتستعيد مجدها وتستميت على مطالبها ،أمة عزيزة قوية تسود الارض وتبسط رداء العدل وتقود البشرية لبر الامان ، وعندها يكون الجو نظيفا لبث الوعي وتصحيح المفاهيم وإيجاد تربية خصبة لينمو فيها الخير وتحيي الامة كل القيم والشمائل والمزايا والفضائل وو..والتي اغتالها الاستبداد ..
عندما اشتدتِ المحن بالمسلمين في مكة هاجروا إلى المدينة ، هناك استقبلهم الانصار بالحفاوة والترحاب ، وجدوا على أرضها الالفة والمحبة والسكينة وكانت لهم الحضن الدافئ والمقام الطيب ، وأول ماقام به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بعد بناء المسجد ، آخى بين الانصار والمهاجرين ، أخوة حقيقية تجسدت على أرض الواقع مؤازرة وتعاضد وتلاحم ومناصرة ومساعدة ومعاونة ، غدوا كالجسد الواحد في السراء والضراء ، وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ومنه انطلق النور ليبدد عتمة الفرقة والتشرذم ويشيع الالفة والمحبة ، مهد هذا التآخي للامة أن تصبح قوية تجابه التحديات وتتغلب على كل ما يعيق مسارها وتقف بقوة وصلابة أمام عدوها وتنتصر عليه ..
عزز سيد الخلق عليه الصلاة والسلام في نفوسهم أواصر الاخوة وقوى روابطها ، فضربوا أروع الامثلة في الإيثار والتعفف والوئام والتلاحم، لم يبخلوا على إخوتهم بل جادوا عليهم بكل ما طابت له أنفسهم ، فتحوا لهم قلوبهم وبيوتهم وتفانوا في محبتهم ،وهكذا انتصروا ومكن اللهم لهم في الارض ، أُسس ودعائم قوية كانت النواة الصلبة لبناء مجتمع متماسك قوي ما أحوج الامة لهذه المعاني العالية تعيد لها وهجها..
وعندما غابت هذه اللحمة وهذه المعاني الراقية ، رأينا كيف يموت اللاجئون السوريون والفلسطينيون ممن هربوا من حجيم الحرب الدائرة في سوريا ، يفرون من دول الايواء لأوروبا ليبتلعهم البحر ومن نجا منهم يشق طريقا وعرا وشاقا لبلوغها ، ولو قوبلوا بالحفاوة واُحترمت آدميتهم في دول الإيواء لما غامروا بأرواحهم ولما خاضوا رحلة محفوفة بالمخاطر بحثا عن الامن والامان أفتقدوه وبيئة تحقق لهم مقومات الحياة الكريمة وتحفظ انسانيتهم وكرامتهم وتدعم صمودهم .
هاجروا وطنهم تاركين خلفهم وطنا ذبيحا ينزف ، وطنا مثخنا بالجراح ، يستغيث نخوة الاحرار ليحموه ويدافعوا عنه و يمدونهم بدعم يزيحون عن كاهليهم الضيم والقهر وكأس المنون التي سقاها لهم النظام الغاشم ، تركوا الدور والبيارات والحقول والذكريات الجميلة التي عاشوها بين ربوعه وبين أحضانه، وحملوا في قلوبهم آمالهم العريضة ، في أن يروا سوريا الجديدة وقد لملمت جراحها وتعافت من أوجاعها ، خاضوا رحلة شاقة ومريرة حتى بلغوا ما اعتقدوا أنه مرفأ للامان!! يأملون أن تضع الحرب أوزارها ويعودون لحضنه ، فقد طال الوجع السوري وطال نزيفه ..
ومن صُور المعاناة وصنوفها في دول الايواء ما قصه اللاجئون بمرارة والقصص كثيرة تدمي القلب وتدمع العين ، من اعتقال واحتجاز وسوء معاملة والتهديد بإعادتهم لجحيم الحرب ، وكيف لمن نكل بشعبه الذي طالب بالحرية والكرامة أن ينصف غيره من الشعوب المكلومة أو يحفظ كرامتهم ، وكيف بمن زج بالاحرار والشرفاء السجون ويسومهم سوء العذاء ويلقون في أقبيته المعاملة القاسية أن يلق غيرهم فيه حسن المعاملة !!وفي لبنان تطالعنا الاخبار اليوم عن أسرة سورية باتت ليتها في العراء ، لعدم قدرتها على دفع الايجار ، فطردهم صاحب البيت ، عدا عن خيم القهر والتشريد لا تقيهم حر الصيف ولا قر البرد وعن استغلال حاجات العوائل في غياب المعيل وو..
هؤلاء وغيرهم ممن يعانون الامرين في دول الايواء ، يحسون بمرارة الغربة في وطن الجوار ،هم من يخوضون رحلة البحث عن حياة كريمة عبر قوارب الموت ، يعرضون أنفسهم لمصير مجهول ، وبدل لوم المهربين ، توجيه اللوم لمن اضطهدهم ومن دفعهم لخوض هذه الرحلة المميتة ، ومن دفعهم للهروب من وطنهم ومن حرمهم دفء موطنهم ومن اغتال ابتسامة اطفالهم ، لو وجدوا احتراما للانسان في دول الجوار لما فكروا في الهجرة ، مآسي اللاجئين وما يلاقونه من محن في طريقهم وموتهم في عرض البحر ، وصمة عار على جبين كل المتخاذلين ،كل من شارك في إطالة المحنة إما صمتا أو تواطؤا أو منع عنهم السلاح النوعي الذي يحسم المعركة ، ووصمة عار على جبين من يتشدق بحقوق الانسان وكرامته وشعاراتهم الرنانة عن الديمقراطية ، الغرب يتحمل أيضا مسؤولية ما جرى ويجري للشعب السوري المكلوم .
هذا الغرب الذي بدأ يتأفف من تدفق اللاجئين على أراضيه ، بل بلغ بالبعض تعليق يافطات كتب عليها : لا نريدكم على أراضينا !! هو أيضا يتحمل مسؤولية ما يعانيه اللاجئون ومآلهم المزري ، فهذا الغرب هو من كان يغض الطرف عن أفعال الاستبداد الشنيعة بحق شعوبهم بل يدعم بقاءهم جاثمين على الصدور ، غير أن الدول التي ترفض عبور اللاجئين عبر أراضيها أو تعرقل مسارهم نحو وجهتهم وتسيئ معاملتهم ، لا تتصرف من نفسها ، بمعنى الدول التي يسعى اللاجئون لبلوغها تقول لهم : لا نريدكم على أراضينا !! لا تقوله صراحة لكن تقولها بطريقة مبطنة عبر تكليف من يعرقل مسيرهم ويوقف تدفقهم. علّ وعسى تدفق أفواج اللاجئين لاوروبا يجعلها تعيد النظر في سياساتها نحو المحنة السورية وتبحث عن حل للازمة ..
احتكموا للصندوق فأفرز من اختاره الشعب عن طواعية ، غير أن من لفظهم الشارع ومن عرفهم حجمهم الحقيقي وبعض المغرر بهم ومن لم ينضجوا سياسيا وقعوا في شراك أباطرة السياسة ، وغدوا مطية للإنقلاب ، خرجوا في حشود لعزل أول رئيس مدني منتخب!! والحقيقة أن الانقلاب تستر خلف الحشود لتحقيق مآربه ، تناسى من خرج يومها أن خلع مبارك ليس لإنه لم يعجب الشعب ، بل لانه أفسد في الارض لثلاثة عقود ، ولانه لا يعبر عن إرادة الشعب ، والانتخابات في عهده لم تكن شفافة ولا نزيهة ، والشارع كان يومها يشهد عزوفا عن العملية الانتخابية ، لانه يدرك أن صوته لا قيمة له ، وعاد للحياة السياسية يوم أن أحس أن لصوته قدر وقيمة واختار من يعبر عن إرادته.
أما إزاحة رئيس منتخب شرعي لن يتأتى إلا من خلال الآليات التي أفرزته ، وإزاحته بالقوة يُعد انقلابا عليه ، مهما بلغت شعبيته فالصندوف هو الفيصل وهو الحكم ، مع أن إفشال المسار الديمقراطي كان مدبرا منذ الوهلة الاولى ، فاعتصم رافضي الانقلاب وكل يوم يسفر الانقلاب عن وجهه القميئ تزداد أفواج الرافضين ومن كل الاطياف ، اعتصوا ليقولوا للأنقلاب احتكمنا للصندوق فأفرز د.مرسي وانقلبتم عليه ، احتكمتم للشارع فها هو الشارع ينتفض ويثور ويعبر عن رأيه الرافض للانقلاب ، ويرفض أن يلقى بصوته في سلة المهملات .
سيعتصم حتى تعود الشرعية ويعود المسار الديمقراطي ويشارك كل الاطياف في العملية السياسية ، كان مقتل الشاب سعيد كفيل لاشعال ثورة ، بينما قَتل مئات الارواح ، لم يحرك ساكنا وكأن الضمائر قد ماتت وتبلد حسها ، وماذاك إلا لأن أبواق الانقلاب شنت حملة مسعورة من التحريض والتشويه بحق المعتصمين ، بل ونسجت حولهم الاكاذيب ، حتى نالت منهم حملة التحريض والابواق المسومة التي زرعت حنظل الكراهية ، حتى حيت تمت الجريمة لم يجد من يبكيهم أو من يتعاطف معهم ومن يطالب بإنصاف المظلومين !! ومع تغول الثورة المضادة اتضحت الصورة لكل ضمير حيّ ..
لن ينسى من نجا من المجزرة تلك المشاهد المروعة ، فلازالت عالقة في الاذهان ، من حرق وقتل وقنص ، في رابعة والنهضة اغتال الانقلاب حلم شعب تاق للحرية ، اغتال ابتسامة الاطفال وأذرف دموع التكالى والارامل والايتام ، وداس على كرامة الانسان ، ولم يحترم أو يرحم آدميتهم أحياءََ كانوا أم شهداء ، كم من الآمال نسجت على أعتاب رابعة لوطن يسوده العدل والسكينة ويحترم حقوق الانسان ونهضة شاملة تعيد لمصر بهاءها وريادتها ، لكن الانقلاب نسفها وحولها لجراح وذكريات أليمة تؤرق من فارق الغوالي ، عادت الذكرى لتنكأ الجراح وتعيد للأذهان صور صادمة ودم نازف ، تذكرهم برائحة الغدر والموت وهي تعم المكان ..
شهداء رابعة هم شهداء الحرية ،جادوا بأرواحه رفضا للإنقلاب ودفاعا عن حقهم في العيش بكرامة وحرية وعدالة ، ضحوا بأرواحه ليعلموا الشعب كيف يكون الاخلاص لقضية عادلة ، حق جليّ في مواجهة باطل يستند لقوة غاشمة ، بدل أن تسخر لحماية الشعب ، ويصوب العسكر حرابه لعدو الامة وجه سهامه المسمومة نحو صدور شعبه الاعزل ، تعود الذكرى والشارع لازال ملتهبا ولازالت جذوة الثورة متقدة ، ومصر في ظل الانقلاب تفقد ريادتها وتهوي لمستنقع آسن من الكراهية ويزداد الاستقطاب استفحالا ، فشل الانقلاب مع كل قوته أن يعيد الشعب لحظيرة الاستبداد ..
ومع أن الانقلاب ماضِِ في غيه ،إلا أن رافضي الانقلاب أفشلوا مقولة : مالا يؤخذ بالقوة يؤخذ بالمزيد من القوة ، فهذه المقولة يعتمد عليها ويستند إليها الانقلاب في تكميم الافواه ، رافضي الانقلاب لازالوا يقارعونه في الداخل بصمودهم وثباتهم وفي الخارج بكشف وجهه القميئ ، الانقلاب اليوم يحارب رمز رابعة ، لانها تذكره بجرائمه والتي لن تسقط بالتقادم ، اليوم كل من وقف في مواجهة الانقلاب يُتهم بتهم جزافا ، واهم من يعتقد أن من اغتال الاحرار سيؤسس لديمقراطية أو يحمي الحقوق و الحرية ، كل يوم يكشر عن أنيابه ويبلغ صلفه حتى من امتطاهم البارحة ، وثبت عبر دروس التاريخ أن الحق لينتصر مطلوب قوة تحميه..
وأنت بين أحضان الوطن ويغمرك دفء العائلة وتعيش في جو مفعم بالسعادة والهناء بين أهلك ومحبيك ، تذكر أن هناك آلافا من الاسرى البواسل غيبهم المحتل خلف القضبان ، أفتقدتهم عائلاتهم وأحبابهم وتزيد لوعتهم والحنين إليهم في الاعياد والمناسبات ، وقد حرموا من احتضان فلذات أكبادهم ومن دفء العائلة ، جريرتهم الوحيدة أنهم دافعوا عن ثرى فلسطين الغالي ، هم اليوم يخوضون معركة الكرامة ، يحرم المحتل أجسادهم الحرية لكنه لن يستطيع أن يحرم أرواحهم أن تتنسم عبير الوطن وتتطلع لشمس الحرية أن تشرق من جديد وتعانقها أرواحهم ، معنوياتهم عالية وعزيمتهم قوية .
مع كل جبروت المحتل يعجز هذا الاخير أن يكسر إرادتهم أو أن يفت في عضدهم ، وعدالة القضية تشحذ همهم وتشد من أزرهم وتقوي شكيمتهم ، أسير خلف القضبان يقاوم الاسر ويسعى لكسر القيد ، ويواجهة صلف المحتل بصموده ، وعندما لا يجد آذانا صاغية لنداءاته واستغاثاته أونصرة لقضيته الانسانية وانصافه ، يخوض معركة الكرامة ، معركة الامعاء الخاوية ليحفظ حقوقه ويدافع عنها ويحميها ، وأمام هذا الصمود الاسطوري من الاسرى وهم في السجون مطلوب دعمهم ومساندة نضالهم ، وهم من أمضوا زهرات شبابهم خلف القضبان ، دعمنا لنضالهم هو من سيزيد من ثباتهم ويعزز صمودهم ، وانتصارهم على السجان ، فلا تبخل عليهم بوقتك وجهدهم في نصرة قضيتهم الانسانية وإيصال صوتهم لكل الاصقاع .
مطالب الاسرى تتمثل في حقهم في زيارة الاهل لهم ، وانهاء العزل الإنفرادي ، وقف التفتيش العاري والاقتحامات المتكررة ، وقف الاعتقال الاداري ، وقف الاهمال الطبي والعناية بصحة الاسير ، وقف تنقلات الاسرى من سجن إلى سجن ، تحسين أوضاعهم وو...التضامن معهم يثبت حقوقهم ،غير أن المحتل بدل سماع صوتهم ، يهددهم بوقف اضرابهم واللجوء للتغذية القسرية والتي تهدد حياة الاسير ، فهو قد خاض اضرابا لمدة من الزمن أثر في جسده وأجهده واجراء التغذية القسرية قد تودي بحياته ، التغذية القسرية ظلم ينضاف لظلم الاعتقال وحرمان الاسير من حريته ، الاسير الفلسطيني دافع عن أرضه وعرضه، يواجه محتل أرضه لذلك مطلوب وقفة جادة تنصفه وتنقذ حياته من براثن الاعتقال وتحميه من صلف المحتل وتدافع عن حقوقه.
ولنجاح نضالهم وتصعيدهم في خطواتهم الاحتجاجية مطلوب توحيد جهودهم وتوافقهم ، حتى يفوتوا على المحتل مآربه من تبديد جهودهم أو شق صفهم ، فالمحتل ينكل بكل الاسرى ومن كل الفصائل ، وما يكلل نضالهم بالنجاح تضامن الداخل والخارج مع ملفهم الانساني وإيصال معاناتهم للكل حتى يدرك الكل ما يعانونه وما يتعرضون له من قمع وتنكيل ، دعمهم دعما يوازي تضحياتهم ويعزز صمودهم ..
المحتل يسعى للاستفراد بأسرى دون غيرهم ومالم يتوحد الاسرى كلهم في نضالهم ، فقد تنطبق عليهم مقولة : أكلت يوم أكل الثور الابيض ، سياسة خبيثة ينهجها المحتل ،سياسة : فرق تسد ، يريد أن يرسخها حتى في السجون مع أن الكل يعاني صلفه وتنكيله ، الاسرى الابطال هم زبدة المجتمع وهم من دافعوا عن ثرى فلسطين ورفضوا الركون للاحتلال وقاوموه ،فهم من يحيي القضية ويذكر المحتل أنه لن ينعم بالامن والامان على أرض الاسراء والمعراج ،أما خذلانهم كأنه خذلان للقضية ، فالاسرى دفعوا أثمانا باهضة من أعمارهم فداء لله ثم للوطن وانصافا للقضية ودفاعا عنها .
إذا وقع حدث ما في دول ديمقراطية ، تتكاثف الجهود لمعرفة الفاعل ودوافعه ويتحمل المسؤولية من قصر وقد يسقط جراء الحادث وزراء ، أما في الدول المستبدة ، الضحية موجودة سلفا لتحميلها كل المسؤولية حتى قبل أن يبدأ التحقيق ويأخذ مجراه ، وبعدها تتلوها إجراءات تعسفية وجائرة ، كأنهم فقط ينتظرون أي حدث ليجعلوه ذريعة لاحكام القبضة الامنية والتضييق على الحريات وإعادة الشعب لحظيرة الاستبداد ولبيت الطاعة !!
وهذا ما دفع الكثيرين لتفسير حادث مقتل النائب العام ، على أنه حادث مدبر وأن المستفيد منه هو من وراءه ، وعندما تتلو الحادث ترسانة من الاجراءات الجائرة هذا يؤكد ماذهبوا إليه ، وهناك من فسره على أنه رد على انسداد الافق وتسلل اليأس للنفوس ، وكفره بالسلمية التي لم تعيد له حقه ولم تنصفه ، وعندما تكتم صوت الوسطي والمعتدل وتنكل بالسلمية وتدميها ، وعندما تفرخ السلمية وجوه النظام القديم ، فلا محاسبة للمفسدين ولا انصاف للمظلومين ولاحفاظ على ثروات البلد ، أنت تدفع البعض لسلك سبل أخرى ..
وقد يكون ثمة طرف ثالث يضمر الشر لمصر ويريدها أن تهوي للاحتراب الداخلي والمزيد من خنق صوت كل معارض واستئصال كل صوت مناهض ، بمعنى تشديد الخناق عل المعارضين ، ويمكن العكس هناك من يريد أن يوقف هذا الإنقلاب الذي أوغل في الدماء البريئة والذي تمادى في غيه وقد نادى بالمصالحة الوطنية فيما يسمى بخارطة الطريق ،بدل السعي للمصالحة سعى لاستئصال المعارضين ،تحليلات عدة متباينة تلت الحادث ..
ولغة الثأر الذي تحدث بها أحد أركان الانقلاب لن تعود بالخير على مصر ، الثأر هو حنظل الانتقام ، بدل أن يتحدث عن العدالة وتحقيق نزيه و معرفة الفاعل الاصلي والفاعل أياكان هو انعكاس للاجواء المحتقنة في ظل الانقلاب ، لذلك الحل يكمن في عودة الشرعية فهي صمام أمان لحفظ الوطن وعودة الجيش لثكناته والحذر من عدو يتربص بالكل من هلل للانقلاب وسوق له ، والاستماع لصوت العقل أما القمع الشديد لا يزيد صاحب الحق والمظلوم إلا تمسكا بحقه والمحيط يشهد بذلك ، وتبقى لغة القمع سلاح العاجزين ..
انصاف المظلوم وعودة المسار الديمقراطي وسقوط الانقلاب الذي مزق النسيج المصري وزاد من استقطابه وعمق الشرخ وأوغر الصدور، فالكل أدرك أن نكسة 30 يونيو ليست تصحيحا للثورة واستكمالا لها كما يزعم قائد الانقلاب ، بل هي نكسة حلت بثورة 25 يناير وعصفت بكل مكتسباتها ، حتى من شارك فيها من بعض شباب الثورة ، يقبعون الآن في سجون الانقلاب ، مسرحية من إخراج الانقلاب أتت على أهداف الثورة ومقاصدها واجهضت حلم شعب تاق للحرية ، 30يونيو كانت انقلابا امتطى الحشود لتحقيق مآربه ، لان إزاحة رئيس شرعي منتخب لا يتأتى إلا بالآليات التي جاءت به وليس بإنقلاب عسكري تستر خلف الحشود!
الغرب لا يريد الفوضى أن تعم في مصر لانها تهدد مصالحه ، وإلا لاستعمل الإنقلاب القوة من البداية كما شأن سوريا ، لذلك التف على الثورة وشق الصف الثوري واضعف الحاضنة الشعبية للثوار وانهكها ، حتى يظهرهم بمظهر الانتهازيين ، وحتى يبث في خلد المستضعفين اليأس من التغيير ، لذلك إن لم يستثب الامن والاستقرار ، فهذا يزعج الغرب الذي غض الطرف عن جرائم الانقلاب ..
قائد الانقلاب اتهم الاخوان صراحة وليس بكلام مبطن عن ضلوعهم في الحادث رغم نفيهم له ورغم أن كل القيادات في السجون ولم ينتظر انتهاء التحقيق الذي لم يبدأ لان الضحية مجودة سلفا ، وكأنه يريد أن يعدم الاخوان ولكن لا يريد أن يتحمل المسؤولية وحده بل يشرك معه أخرين ، من جديد يبحث له عن تفويض لاعدام كل أيقونات الثورة ، والانكى كلامه الاخير عن يد العدالة المغلولة بالقوانين !! العدالة هي تطبيق القانون ، فكيف تسميها عدالة إن تحررت من القوانين ، هو إذن قانون الغاب !! قائد الانقلاب بجرائمه يأخذ مصر للمجهول ، لا قدر الله..