طغى فرعون وتجبر وتسلط على الرقاب واستعبد الخلق ومزق النسيج ليحمي سلطانه انتهج سياسة فرق تسد ، فئة يغدق عليها من كل النعم وتحضى بكل الإمتيازات وتتمتع بالراحة والدعة وفئة أخرى يذلها وينكل بها ويستغل جهدها ويبخس حقها ويستخدمها في مهن تذيب قوتها ، مهن يأنف منها الغير وينظر إليها بإحتقار وازدراء ودونية وو..
إلى أن جاء يوم رأى فيه فرعون مناما قض مضجعه وأقلقه حتى جافى النوم عينيه ، فتملكته الهواجس وأرقه الكابوس الذي رآه وازعجه ، وتأكدت شكوكه عندما فسره المعبرون ، فاحس بالفزع وعلم أن لمنامه مغزى وقصد ومعنى ..
لقد اقترب مجيئ المخلص وأهلّ زمانه ، من سينتصر للمظلوم ويرفع عنه صلف فرعون وينصفه ويأخذ بحقه ممن ظلمه ويكسر اغلاله ويحرره من براثن العبودية ، فحرص فرعون أن يحول دون مجيئه ، يغتاله في المهد حتى لا يرى هذا الوليد النور ، ليحمي سطوته مستعد لإقتراف أبشع الجرائم ، فأمر بقتل الصبية ، وبعد هذا القرار الجائر ولدواعي ساقتها حاشيته وتخدم مصلحتها وليس مصلحة الشعب المغلوب على أمره ، أمر بقرار أيضا مجحف ولا يقل اجراما عن الأول ، يُقتل الصبية الذكور عاما ويعفون من القتل عاما آخر ، في عام العفو ولد هارون عليه السلام ، ولو ولد موسى عليه السلام في عام العفو لمَنّ عليه فرعون بعفوه ، وأن بقاءه حيا كان منة منه ، كما عيره بتربيته له في القصر انتقاصا منه وتكبرا وتعاليا عليه ، إلا أن رد موسى عليه افحمه ، لاقيمة للإحسان والتفضل على فرد واحد في مقابل اذلال شعب بأكمله واستعباده وإهدار كرامته ..
ولد موسى عليه السلام في هذا الجو المشحون بالقلق والهواجس وبتربص من فرعون ، فأحاطته عناية الله عز وجل ، وبددت مكر فرعون وزبانيته وحمته حتى ابلغته قصر فرعون ، ساقته الأقدار لقصر ألد اعدائه من يضمر له كل شر ، وكأن القدر يقول لفرعون : هذا الذي بالأمس القريب تبحث عنه لتنكل به سيأتي يوم تحرص على بقائه ! ما إن فتحت زوجة فرعون الثابوت حتى وقع حبه في قلبها ، تعلقت به وأحبته وتمسكت به ، ولم تعد تطيق فراقه ، وتغلغل حبه في حنايا قلبها ، اجتهدت مع من حولها لجلب له المراضع ، رفض كل المراضع وعلا صوت بكائه ولم يعد لسكونه وهدوئه إلا عندما احتضنته أمه بحنان وعطف وارضعته ، عندها أحس بالامن والأمان والطمأنينة ..
موسى عليه السلام في عرف الطغاة ، طفل رضيع مجرد من كل قوة ، ما اسهل الفتك به ، إلا أن قوة الله تسنده ورعايته تحيط به ، وفرعون في عرف العامة من يقيسون الأمور بمقاييس البشر وفي عرف الجبابرة ، قوي وقوته ظاهرة للعيان ، إلا انه مجرد من قوة الله ، فرعون غرق في البحر مع كل سطوته ولم ينفعه جبروته ولاحاشيته ولا جنوده أوبطانة السوء التي كانت تحيط به وتزين أفعاله المشينة وتصفق له ، وموسى الرضيع نجى من الغرق لحفظ الله له ، وقد شملته رعايته وعنايته ، وكما حماه الله عز وجل من الغرق حماه من بطش فرعون ، فكان قصر فرعون الملاذ الآمن لبقائه حيا ، في بيت أبويه مع كل حرص أمه قد ينكشف أمره وتمتد له يد الغدر وتفتك به ..
وكأن القدر يقوله له : هذا الذي حرصت دون مجيئة وازقت الارواح البريئة لتطفئ نوره ، سينشأ في قصرك ويتغذى على مائدته ويكون هلاك ملكك وزوال سطوتك وغرورك على يديه ، بإذن الله تعالى ، ذهب كل احترازه هباءََ ، لا بطش فرعون ولا صلفه ولا جبروته حال دون مجيئة وبزوغ فجر الحق والعدل ، وحلّ ما كان يتوجس منه فرعون ، وإذا أراد الله شيئا أن يتحقق قدره وتكفل به ويسر له السبل ، وأزال كل العقبات ودلل له الصعاب وهيأ له الظروف والأجواء وحققه ، لاقيمة لأية قوة على الأرض أمام قوة الله جل وعلا ..
ومادام هناك شعب ينبض بالحياة متمسك بحقه يستميت في الدفاع عنه ، يفدي الأرض بروحه ، أبدع في وسال الدفاع عن حقه ، واستثمر وسائل العصر الحديثة والجديدة لتحقيق مناه وبلوغ هدفه ، فالعودة قريبة بإذن الله ، وفي ذكرى النكبة يتجسد ذاك الحنين للوطن ، لم يعد الفلسطيني يحيي ذكرى النكبة بحسرة وغصة تخنق الروح ، أو بالرضا بالأمر الواقع والإحساس بالعجز أوبالإكتفاء فقط بالعتب عن خذلان القريب والبعيد أو اجترار الألم والبكاء على الأطلال ، بل ترجم حبه لفلسطين وشوقه لحضنها الدافئ ، واحياء للذكرى بكشف جرائم الإحتلال ونصرة القضية واعادتها للواجهة والدفاع عنها والإستماتة على الحقوق ، بل والإصرار على استعادة حقه المسلوب ..
لا تتناول ذكرى النكبة إلا وتستحضر تداعياتها وما خلفته من معاناة ولجوء وشتات وتمزيق لأوصال العائلات وتشريد للشعب ..
أحمد شاب لاجئ يجسد مرارة وتداعيات النكبة ، عندما يتحدث عن فلسطين والذي لم يرها ولم يزرها من قبل ، إلا أن قصص جده عنها لازالت ترن في مسامعه ، فيتحدث عنها بحنين وشوق واعتزاز وفخر ، وكلما حلت الذكرى إلا وتجلت أمام ناظريه فصولها الدامية ، وكأنه عايش الأحداث عن قرب ، يتحدث عن بطولات الفدائيين وعن مقارعتهم للإحتلال تفنيدا لرواياته الإحتلال التي سوقها عن شعب باع أرضه وعن أرض بلا شعب ، يروي أحمد ماكابده الشعب المكلوم من محن ومشاق وعن ألم اللجوء ، فالعاناة لم تنتهي ولازالت مستمرة ، دول اللجوء بدورها شهدت محن وأزمات ، فتكررت نكبة الفلسطيني في أقسى صورها ، وتجددت فصول المعاناة وتعمقت الجراح ..
يروي أحمد ما قصه جده عليه ، عن عصابات الإجرام الصهيونية والتي سعت بكل صلف ووحشية لإقتلاع شعب عن أرضه ، ترهيب وترويع وطرد وتهجير وارتكاب أفظع الجرائم ، وطمس قرى بأكملها لإخفاء معالم الجريمة ، لازال أحمد يسترسل في حديثه ، عن كيف نشأ في مخيم ، يحمل إسما يزرع الأمل في النفوس وعن مخيمات تحمل أسم الصمود وتذكر بملاحم السلف ، أما المدارس وأحياء المخيم فتحمل أسماء المدن والقرى الفلسطينية التي سعى الإحتلال لمحوها من الذاكرة ومحو الوجود الفلسطيني عليها ، إن لم يعيش أحمد في فلسطين فهي تعيش في وجدانه وقد رسم لها أجمل الصور ، حملها معها أينما رحل أو ارتحل ، حتى تبقى حية في الوجدان وأمانة تتناقلها الأجيال ، يحمونها ولا يفرطوا فيها ، ويوطدوا كل قوة وكل الإمكانيات وكل الطاقات لتحريرها وكسر قيدها ..
جد أحمد كبقية الفلسطينيين لم يفرطوا في الحق الفلسطيني وزرعوا حب فلسطين في قلوب الصغار ، وحب الإنتماء لأرض العطاء ، أرض البطولات والملاحم والإنتصارات ، حتى سكن هواها في أوصالهم وسرى حبها في شرايينهم ، وبدورهم الآباء ساروا على نهج الاجداد ، ورثوا للإحفاد حب فلسطين وتمسكوا بمفاتيح العودة ولازالوا يحتفظون بها ، لم يفقد أحمد ولا عائلته كبقية العائلات الفلسطينية الامل في العودة لقراهم وبياراتهم ومزارعهم ، ومرارة اللجوء تذكرهم دوما بموطنهم الأصلي وأن وجودهم مؤقت ومهما طالت غربتهم قريبا سيعودوا لفلسطين ، بإذن الله ..
كل ما حلت الذكرى يُسيّر أحمد وبقية شباب المخيم مسيرات العودة ، حتى يبلغوا لأقرب نقطة تفصلهم عن فلسطين ، فيتراءى لهم جمالها الآخاذ من بعيد ، يتنسم عبيرها الفواح ، يسرح في بهائها وسنائها وزرقة سمائها وعليل هوائها وشمسها الدافئة ومروجها الخضراء ، يغبط الطيور التي تعود لموطنها ولأعشاشها بعد غياب طويل ، يستذكر كلمات جده عن قريته الوادعة وعن بيتهم الواسع وبياراتهم وحقولهم واحلام الطفولة البريئة وابتساماتهم التي اغتالتها ألة الحقد الصهيونية وحولتها لأشلاء ، يجدد العهد للوطن ، يدرك أن اللاجئ هو الشاهد على جرم الإحتلال بفلسطين وأهلها والقصص المروعة عن شعب هُجر قسرا عن موطنه شهادة تدين الإحتلال وتبرز فداحة جرمه وحقده وتحمله مسؤولية عما جرى وما يعانيه الشعب المكلوم..
أحمد وكل الشباب في مثل سنه فندوا مقولة الصهاينة ، أن الكبار يموتوا والصغار ينسوا ، صغار الامس هم ثوار اليوم ، مقاومة في فلسطين تقض مضجع الإحتلال وتفقده أمنه وهبات تولد لتجدد العهد بمقاومة متأصلة ومتجذرة ، شعب أبيّ يرفض العيش تحت بساطير الإحتلال ويقاومه ببسالة وفي الشتات تمسك بالحق والذود عنه واحياء القضية ، وماضاع حق وراءه مطالب ..
يا أيها الملك الذي لمعالم الطغيان نكس ::
جاءت اليك ظلامة تدعو من البيت المقدس
كل المساجد طهرت :: و أنا على شرفي أدنس
بهذه الأبيات الشعرية استصرخ الأقصى نخوة الناصر صلاح الدين لنصرته ، أبيات أوقدت الغيرة في النفوس العزيزة ، وحشدت الهمم ، فهب لنصرته ولم يكل ولم يمل ولم يهدأ له بالا ، حتى انتصر له وكسر قيده وحرره من براثن الظلم ، وطهره من أردان الحقد ، وأعاد له بسمته التي غابت عنه قرابة المئة سنة ، ورسم الفرحة على محياه ، فاستعاد بهجته وألقه ووهجه وهيبته وأنفته ..
واليوم عاد الوجوم يخيم على ساحاته وسحنة الحسن بادية على محياه ، وأبناؤه بين مهتم ويؤرقه حاله ، إلا أنه عاجز عن نصرته نصرة حقيقية ، ترفع عنه العناء وتعيده لحمى الأمة ، يقوم بما في وسعه حتى يبقي على جذوة الصراع متقدة ، وبين عاق بدل جلدته وتنكر لقدسيته وصافح مغتصبه وسلم له بسكوته المريب عن مصابه الجلل ، وبغضه الطرف عن جرائم الإحتلال بحقه ، وتآمر على مقاومته ونكص عن نصرته وآخر غير مكترث لحاله وغير مبالِِ لما يُحاك له من شر وما يُضمر له من مكر..
إلا أن هناك ثلة مؤمنة صابرة وصامدة وثابتة ، تحمي الأقصى بصدرها العاري وتذود عنه وتستميت في الدفاع عنه ، لا يضرها من خذلها ومن تقاعس عن نصرتها ، لازالت على العهد وفيّة للأقصى ، لم تخن الأمانة ولم تفرض ولم تبيع ولم تضيع ، منها خرج آل الجبارين إسم على مسمى ، قديما ارتعدت فرائس اليهود خوفا وخشية من الدخول للمدينة المقدسة لأن فيها قوما جبارين ..
كانوا جبارين وهم على الكفر ، فكيف إن كانوا على ورع وتقوى وإيمان ونخوة وعلى أرض مقدسة تبارك ملاحمهم ، بإذن الله سيكون النصر حليفهم ..
أراد الإحتلال استغلال عملية الأقصى والتي جاءت ردا على تنديسه اليومي واجحافه بحقه ، اعتقد أن الفرصة قد حانت وأن الجو قد خلا له ، للإستفراد بالأقصى وفرض سيادته عليه وتمرير مخططاته بحقه ، فالأمة في وضع مزري ومهترئ ، وقد نخرتها صراعاتها وقد حورت بوصلتها ، وفي خضم جراحاتها وما تعانيه من أوجاع ارهقتها لن تهتم لمقدساتها وأن المقدسيين باتوا بلا ظهير ولا سند ولا معين ، وسيستسلموا للأمر الواقع الذي حاول المحتل فرضه عليهم ، فقام بإجراءاته التعسفية بحق الاقصى ، فكانت النقطة التي أفاضت الكأس ..
العكس هو الذي حصل ، لم يرضخ المقدسيون للأمر الواقع ووقفوا سدا منيعا في وجه الإحتلال للحيلولة دون تمرير مراميه ، ولسان حالهم يقول ، أن نصبر على بعده وهو مهجة القلوب وسكن الروح وبلسم للجروح أياما و أسابيع ، أفضل من أن نذعن للمحتل ونضيعه للأبد ، لا قدر الله ، وعلى صخرة صمودهم تحطمت كل المؤامرات وفشلت مخططات المحتل ، بسالة المقدسيين وصمودهم على حقوقهم رفع المعنويات واستنهض الهمم واستنفرت كل فلسطين قواها لنصرته وتفاعلت جموع الامة مع الأحدات وإن لم ترقى في مجملها لتضحيات المقدسيين ، إلا أنه كان لها تأثيرا ، حتى بقاعا تنزف جروحها لم تنسَ مقدساتها وكانت لها الكلمة في الدفاع عنها ونظمت المسيرات نصرة لها ..
عزيمة المقدسين التي لا تلين وإرادتهم القوية فوتت على المحتل مآربه وأعادت الأمل للأمة واحيت القضية ، وأعادتها للواجهة وصححت بوصلة الأمة التي تاهت ، انتصار المقدسيين ودخولهم لباحات الاقصى المبارك مكبرين ومهللين وساجدين شكرا لله ، ذكرانا بأمجاد الامة التليدة ، ستبقى تلك الحظات المشرقة خالدة تروي ملاحم وبطولات المقدسيين ..
نصر دونه تضحيات جليلة ، وكله يهون فداء للأقصى ، اسرجوا قناديل الأقصى دما ، فأينع النصر ، كيف ينطفئ من أسرج بالدم ، مشاهد عزة ومنعة وكرامة لا تنسى ، خلدوا للعالم أروع وأبهى صورة في التعاضد والتآزر والتلاحم والاخوة والتكافل بوحدتهم خلقوا النصر ..
شن الإحتلال على غزة ثلاثة حروب ، كان الهدف منها استئصال المقاومة ، وفي كل عدوان يشنه على غزة يفشل في مسعاه ، في المقابل تستفيد المقاومة من التجارب وتقوي جبهتها وتقف على مواطن الخلل وتصححها وتزداد رسوخا وثباتا وصمودا وقوة ، استطاعت المقاومة أن تهشم مقولة : جيش لا يقهر ، التي عشعشت في الأذهان لعقود ، وكان الإحتلال يقتات منها دهرا بعد أن هُزمت جيوش عربية أمامه مجتمعة ، ومعلوم الأسباب الذي أدت لنكستها ، المقاومة نزعت ذرائع كانت الانظمة تتذرع بها ، لتستكين للأمر الواقع الذي حاول الإحتلال فرضه ، وحتى لا تواجه غطرسة المحتل ، مقاومة مُحاصرة ولاتمتلك عدة وعتاد كالذي تمتلكه دول وبإمكاناتها الذاتية ، حققت ما أخفقت فيه جيوش ، وخلقت توازن الردع وفوتت على المحتل مآربه ، ولم تركن لإملاءاته أو تقبل أن يفرض عليها الأمر الواقع أو تستسلم ، وغدت غزة محرمة عليه دخولها ..
وعندما فشل المحتل في تحقيقه مراميه من شن عدوانه ، استأسد على المدنيين ، وفرد عضلاته على العزل ، وارتكب أفظع الجرائم ، واستهدف المنشآت الحيوية من مدارس ومستشفيات وبنية تحتية وو..جرائمه بحق العزل والمدنيين لن تسقط بالتقادم ..
لذلك من المجحف أن يحمل أحد غزة تداعيات الحصار الجائر أو مخلفات العدوان ، فالإحتلال عندما اغتصب فلسطين ارتكب المجازر بحق أصحاب الأرض وخلف الآلام والأوجاع وشرد الفلسطيني ، فهل نلوم الشعب المكلوم ومن كان يدافع وقتها عن الحق الفلسطيني ، أم نحمل المسؤولية للإحتلال البغيض ومن يغض الطرف على جرائمه ، ومن زرع هذا الورم الخبيث في قلب الأمة ، ومجتمع دولي يساوي بين الضحية والجلاد ولا ينصف المظلوم ويهدر حقه ، ونلوم أنظمة كان همها تثبيت أركان حكمها ، لم تستعد للحرب واستسهلتها ، ونخرتها صراعاتها وكانت تُحاسب البعض على ولائه للحاكم ، تقرب هذا وتبعد ذاك ، وبذلك اضعفت جبهتها وبعدها تاجرت بالقضية حماية لكراسيها..
الإحتلال في كل حروبه عندما يفشل في تحقيق مآربه ، يستهدف الحاضنة الشعبية بغية تأليبها على المقاومة ، إلا أن وعي الشعب فوت ويفوت وسيفوت عليه مآربه ، فهو يدرك أن المقاومة هي من تصد العدوان ، وتحمي حياض الوطن ، وتبقي جذوة الصراع متقدة لتستيقظ الأمة من سباتها وتلحق بالركب ، وتحفظ الحق الفلسطيني ، وتمنع تمدد المشروع الصهيوني ..
اعتقد الإحتلال أن شن عدوانه المتكرر على غزة ، سيدفعه لفرض الأمر الواقع في كل فلسطين ، وللإستكانة وعدم النهوض لمواجهة الإحتلال ورفع حيفه ، إلا أن بسالة المقاومة وجسارتها وروحها القتالية وإيمانها العميق بعدالة القضية ، وفرت البيئة الخصبة للعمل المقاوم ، وزاد تمسك الفلسطيني بحقه والإستماتة عليه والدفاع عنه بقوة ، بل شجع هذا الإبداع في الأداء المقاوم ، الفلسطيني في كل ربوع فلسطين ومن كل الفئات للإنتفاضة على جور الإحتلال ، وبذل الغالي والنفيس فداءا لله ثم للوطن ورفضا للإحتلال ، وحماية للأعراض والمقدسات والوقوف بحزم أمام كل مكر يضمره الإحتلال للأقصى المبارك ..
نوع الفلسطيني المنتفض في وسائل المواجهة حماية لحقه في العيش بكرامة وحرية في وطنه ، صحيح أن السلطة حالت دون تطويرها وتمددها ، إلا أن النفس المقاوم لازال قائما ولم يخبو ، مادام هناك احتلال جاثم على الأرض ومقدسات تدنس ، وحيف وظلم وتضييق بحق صاحب الأرض ، فهذا هو الدافع والمحفز للفلسطيني في الإستمرار في المنافحة عن حقه ..
كما عملت السلطة في تحجيم الدور الجماهيري المناصر للأنتفاضة ، من مسيرات ومظاهرات تلتف حول العمل الفدائي والمقاوم وترفع وتيرته وتزيده زخما ، إلا أن تشييع جنازات الشهداء ، تظهر التحام الشعب والتفافه حول خيار المقاومة ، ودعم الإنتفاضة والسير على درب الشهداء والإقتداء بهم ، ورفض خزي التنسيق الأمني الذي يُقوض العمل المقاوم ويطيل أمد الإحتلال ، وإن لم تستفيد السلطة من الدروس وتصغي لصوت الشعب ، حتما سيتجاوزها وتجد نفسها معزولة ومحشورة في الزاوية ..
القرآن الكريم نزل للمسلمين وليس لبني اسرائيل ، ومع ذلك تضم آياته الكثيرة من التفصيل لسيرتهم ، بل والشرح المستفيض لحالهم ومسارهم ومآلم ومصيرهم ، ومعلوم أن الله عز وجل لا يحابي بين عباده ، أية أمة حادت عن النهج القويم وتعدت على الحدود وبدلت وغيرت ، وتاهت عن جادة الحق مصيرها ماثل للعيان ، خزي وطرد من رحمة الله ومذلة واستكانة وهزائم متتالية وضعف وهوان وو..
هذه أمة كانت في القمة ولها قدر وقيمة في زمانها ، وكان فيهم انبياء وصالحون ، ونتيجة افعالها الذميمة وما أتت من منكرات هوت للقاع ، واستحقت غضب الله عليها ، سرد حال ومآل بني اسرائيل عبرة ودرس لأمة الإسلام حتى تتفادى مآلهم ، وتحذيرا لها حتى لا تلقى نفس المصير ..
ومن يقرأ القرآن سيقف على صفاتهم الذميمة وأفعالهم المشينة ، وعلى سبيل المثال لا الحصر : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي أيضا ميزات أمة الإسلام مع الإيمان بالله والتي بموجبها كان الإصطفاء والأختيار : فكانت خير أمة أخرجت للناس
بتعميم الخير والحث عليه ونشر الفضائل وأيضا النهي عن المنكر ، حتى تعافه الفطرة السليمة وتقاومه ، وحتى لا يغدو مستساغا ، ويتجرأ على فعله ، ويستشري في المجتمع وبذلك تهوي النفوس لمستنقع الرذيلة وتنفصهم عراه وتنخره الآفات ، وتتآكل دعائمه ويسهل على الأعداء الإنقضاض عليه ويغدو لقمة سائغة بين يديه..
ومعلوم أن للنهي عن المنكر درجات ، المهم ألا يفتر المسلم وأن لا يتعايش مع المعاصي ويستسيغها ويألفها ، قال عليه الصلاة والسلام : من رأى منكرا فليغريه بيده ، فإن لم يستطيع فبلسانه ، وإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان )
وكذا حديث السفينة :
عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا "..فإن لم يحثوهم على الخير ويكافحوا فسادهم وينهون عن المنكر غرقوا جميعا ، وأي قوم فشى فيهم المنكر وكل أنواع الفساد ، استحقوا اللعنة والطرد من رحمة الله ، ومعلوم ما يترتب على ذلك..
فالأمر يعنيك أنت أيضا مادام الكل في مركب واحد ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى أخاه فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض. ثم قال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ..
ومثال آخر : عندما جحدوا انعم الله عليهم ولم يمتثلوا لأوامره وعصوا أوامر نبيهم ، حل بهم التيه ، وأي أمة سلكت نفس المسلك إلا وتاهت بوصلتها وحل بها الضعف مكان القوة وتغول عدوها عليها وحل بها الوهن وتفتت وذهب عزها وفقدت مكانتها ..
هذه فقط أمثلة وإلا القرآن الكريم يستعرض صفات بني اسرائيل بشكل مستفيض ، ما على المرء إلا أن يقارنها بحال الأمة اليوم المزري ، من كتم للحق والتعامل بالربا فهو إعلان حرب مع الله واكل السحت وحب للحياة حتى ولو كانت حياة مهانة ومذلة وصغار وتفتقد للكرامة والعزة وكذا الخيانة بكل أشكالها وأخذ من الدين ما يوافق هواها ونكث ما يعارض هواها والجبن والخور وقلب الأية : أشداء على الكفار رحماء بينهم ، فقد غدا بأسهم بينهم شديد وانهكتهم الصراعات والخلافات ، بل طفا على السطح كل حزازات الجاهلية والتي دفنها الإسلام والتي تحول دون وحدتها والتي هي سر قوتها وو..
وإذا أرادا أمتنا أن تعود لعزتها ومكانتها أن تستعيد ميزاتها : الإخلاص في العبادة والنهي عن المنكر والأمر بالمعروف ، لهذا اختارها الله عز وجل واصطفاها على باقي الأمم..
على مدار 29 يوما تابع المشاهد الفلسطيني والعربي فصول مسلسل بوابة السماء في جزئه الأول ، والذي يحاكي الواقع الأليم للمدينة المقدسة ومعاناة المقدسيين في ظل احتلال بغيض يسعى بكل السبل الخبيثة لأجتثاثهم من أرضهم ، جمعت حلقات المسلسل بين الألم والأمل ، ألم تجسد في ما تعانيه المدينة وأهلها من قهر وحيف وصلف الإحتلال ، معاناة يومية الغرض منها التضييق عليهم لإخلاء المدينة ..
وأمل تجسد في شبابها المغوار ، من يدافع عن حقه في أرضه ومقدساته ، من يحمي الأقصى المبارك ، من يقف سدا منيعا أمام كل محاولات التقسيم والتهويد ، من يصد كيد الإحتلال بكل ما توفر له من أسباب القوة وامكاناته الذاتية ، من يُبقي القضية حية ، من يستميت في الذود عن المقدسات ، المتسمك ببيته وأرضه ، مرابطا في القدس لم تزده اجراءات الإحتلال إلا رسوخا وثباتا وصمودا ، والذي يفوت على الإحتلال مآربه ، من محاولاته لإخلاء المدينة من أهلها ، وطمس معالمها العربية والإسلامية واضفاء الطابع اليهودي عليها ، أوسعيه لتمرير روايته المزعومة ..
بين هذا وذاك تظهر فئة باعت ذممها وعطلت عقلها ومات ضميرها ، لا يستفيق إلا بعد فوات الأوان وعندها لا ينفعها الندم ، هم سبب المآسي والآلام ، العملاء : من يتبادلون الأدوار بينهم وبين الإحتلال ، هو يضيق ويحاصر ويحرم ويهدد ويتوعد وو..والعميل يغري ويوهم بتسهيلات من المحتل هو من عسرها أصلا ، وفي الحقيقة ليست تسهيلات من المحتل بل حق سلبه الإحتلال من صاحب الأرض ليبتزه به ..
حياة العميل خوف وهواجس وانحدار في الأخلاق وقلقل من أن ينكشف أمره ، وإن لم يُعر قذارة فعله ولم يتسجد جرمه أمام ناظريه ، فلا أقل من أن يعير أهله ومحبيه اهتماما ، ويقيهم من نار لن تحرقه وحده ، سيمتد لهيبها إليهم وهم ابرياء ، لو فكر فيهم لحظة واحدة لأدرك نفسه ولما غاص في وحل العمالة ، العميل لا يأمن حتى مكر الإحتلال ، حياته دوما محفوفة بالأخطار ، وحتى من يُوفر له حماية في كيانه ، لا وزن له ولا قدر، وحياته مهددة ..
مع أن الإحتلال وكما أظهرت حلقات المسلسل أنه لا يعيرهم وزنا ، بل ينظر إليهم نظرة احتقار ومهانة ، لأنه غدر بأهله وعشيرته وفرط في أرضه : اعتقل أو مات أو قُتل سيان عنده ، ومن استنفذ منه اغراضه غدر به ، يتناسى العميل من حوله من أم وأب وزوجة وأولاد وأهل ، فالعار سيلحقهم ، وسينبذهم المجتمع وينظر إليهم نظره احتقار ومهانة ، ما إن تفوح رائحة الخيانة حتى تصبح سيرتهم على كل لسان ..
تتفقت عقلية الإحتلال الماكرة على حبائل جمة للإيقاع في مستنقع العمالة ، الجشع وجمع المال ، الإستغلال البشع للحاجات ، الإيقاع به في شراك الإدمان ، ومن ثمة يساومه على كل حبة مخدر يسلمها له مقابل معلومة ، وكلما أوغل في الخيانة ، كلما زادت مطالب الإحتلال وزاد الإبتزاز ، خوف العميل من اكتشاف أمره يدفعه أن يزهق الأرواح ..
العملاء خنجر مسموم تُطعن به القضية من الظهر ، أدوارهم القذرة تضر بالقضية وتعرقل مسارها وتُضعفها هم من يطيل أمد الإحتلال..
قال تعالى : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) سورة الإسراء
ابتدأت السورة الكريمة بذكر حادثة الإسراء والمعراج ، في آيات قليلة ، إلا أنها تحمل بين طياتها معاني جليلة ، جاءت الحادثة تكريما لسيد الخلق عليه الصلاة والسلام ، وتشريفا لأمة الإسلام ، حيث صلى عليه الصلاة والسلام إماما لكل الأنبياء بمن فيهم انبياء بني اسرائيل ، في إشارة أن الريادة ألت لهذه الأمة الكريمة ..
فهي المنوط بها أن تحمل مشاعل النور لهداية الخلق ، وانقاذ البشرية من التيه ، والأخذ بيدها حنى تبلغ بها مرفأ الطمأينة والسعادة والتي لن تجدها إلا في رحاب الإسلام وحماه الآمن وظلاله الفسيح ، وإشارة أخرى لقدر وقيمة الأقصى المبارك ، وعلو منزلته ورمزيته العالية ، بقعة طاهرة تضم بين جوانحها مقدسات هي جزء من عقيدتنا ومعقل عزتنا ..
ومعلوم أن الأقصى المبارك بني بعد بناء الكعبة المشرفة بأربعين سنة ، بمعنى بني قبل مجيئ يعقوب عليه السلام بحقب طويلة ، وتلت هذه الآية الكريمة ، آيات تناولت بني اسرائيل ، علوهم المقرون بفسادهم والمفضي لزوالهم ، وكأن المكانة التي تمتعت بها أمتهم ، ولم تحفظها وخانت العهد وقتلت الأنبياء وكتمت الحق وعاتت في الأرض الفساد ، وقابلت النعم بالجحود وعصت الرسل وو..وكل الصفات الذميمة التي ذكرها القرآن الكريم ، انتزعت منها الريادة وسلمت لأمة الإسلام ، وتقلدت الامة هذه المسؤولية ، ونبهنا الحق جل وعلا لما آل إليه بنو اسرائيل عندما صدوا عن الحق والله لا يحابي بين عباده ، حتى أمة الإسلام إن هي عدلت عن جادة الحق وفرطت في الأمانة ولم تقدر حجم المسؤولية : فقدت ميزاتها..
لذلك مكرهم وحقدهم ومؤامراتهم ودسائسهم ، لإستئصال شأفة الإسلام لم تفتر قط ، منذ مجيئ الإسلام ليومنا هذا ، وفي آخر الأيات ألاولى من مطلع السورة الكريمة ، ذكر لوعد الآخرة ، حين تستيقظ الأمة من سباتها العميق ، وتنفض عن كاهليها غبار الذل والهوان والإستكانة ، وتصحح بوصلتها التي تاهت ، وتعود لعزتها ومنعتها ، عندها ستطهر الأرض المقدسة من درن الصهاينة ، ويزول دنسهم وجورهم وبغيهم ، بإذن الله تعالى..
علو الصهاينة اليوم يعكس حال الأمة المزري ، تشرذم وترهل وتفكك ،أمة تنخرها الصراعات والخلافات وتضعفها النزاعات ، نحت الراية التي وحدت صفها وقوتها ، والتي مكنتها من مجابهة العتاه بصلابة وجسارة وبسالة ، وبذلك طفا على السطح كل ما أذابه الإسلام ودفنه من حزازات وولاءات للقبيلة وغيرها ، وما إن تعود الأمة لسؤددها ومنعتها وقوتها ، حتى تستعيد مكانتها وتعيد مقدساتها لحماها وتعمم الخير على كل البشرية ، بإذن الله..