الجمعة، 13 يوليو 2012

قراءة في الرواية الرائعة *عمر يظهر في القدس * للكاتب نجيب الكيلاني

  •     
هي قصة رائعة بما تحمله من معان جليلة وأفكار إبداعية وأهداف سامية ، تجعلك تعيش مع القصة وكأنها تحيا فصولها ، أو أصبحت جزءا منها ، حرص الكاتب أن يُقدم فيها كل تجديد وتنويع فقد خالف مضمون قصصه ، فهي أقرب للخيال بالشخصية التي أدرجها فيها ، لكن أضفت عليها قيمة فنية عالية ، تجتهد لقراءتها كي تصل للنهاية وتتسائل مع نفسك كيف ستكون ؟؟ فقد تتبع الكاتب أسلوب رائع في السرد ، والقصة تحمل رسائل ذات معنى جليل ..
هي تحكي عن مدينة القدس وعن الجيل الجديد الذي وُلد تحت الأحتلال وترعر في كنف المقاومة ، يأنف أن يظل قابعا تحت الإحتلال ويتطلع لتغيير الحال ، وكله أمل أن الأحوال ستتغير إن شاء الله ، لا يأس في قاموسه بل تفائل وأمل ، أكبر من عمره يحمل هم الوطن سطر هدفه وأدرك مسيره وسعى إليه بهمة ونشاط ..
من الممكن أن الكاتب كتب حقا عن شباب لهم وجود وما أكثرهم على ساحة فلسطين ، أو كانت الغاية أن يكون شبابنا على شاكلة هذا الشاب الكريم الذي تدور فصول القصة حوله وحول الخليفة ، ففي خضم ما كان يُعانيه ، وهو يحمل في قلبه حبّ الوطن ويسعى بكل جهده لتبقى القضية حية في زمن الكل نساها أو تناساها ، المهم سيلتقي بالخليفة ، الذي أوهى الإسلام حين إستشهد ، لعدله وقوته في الحق ..
وأيضا ممكن أن الكاتب كان يرجو أن يعود زمن الخليفة الراشد أو يُقارن زماننا بزمانه ، بون شاسع بيننا وبينهم ، أدمعت عينا الخليفة حين علم أنه في مدينة القدس وكم حنّ لرأيتها لكنه في زمانه لم يستطيع حيث حال بينه وبين الزيارة وباء فشى فيها ، قاطعه الشاب بقول : واليوم هي تشهد وباءا ألم بها وتئن تحت نيره ، هو الإحتلال أنكى من الوباء  الاول ، لأن الوباء يفتك بالبشر فقط ، أما الوباء الحالي فتك بالأرض والمقدسات والتاريخ ..
هنا ستبدأ رحلة الخليفة من الشاب ليقف على مكامن الخلل فينا ، هوان وضعف وقد تخللت القصة كلمات نابعة من قلب صادق مخلص للقضية ، كلها حكم ودروس ونصائح غالية ، إستغرب الخليفة من حال المسلمين ، كيف غاب الحق وغاب الأمر بالمعروف والنهي عن النكر وأنه أصبح لا يكثر الإخوة بحال إخوانهم ، وقف على حقيقة أن طبيعة اليهود لم تتغير على مدى الزمن ، إذن نحن من تغيرنا وأوجدنا منافذ وثغرات دخل منها الإحتلال وفرق شملنا وحاك لنا الدسائس ..
وكيف والقرآن يحكي خصالهم فكيف تجاهلناها ، وكيف أغفلناها حتى حل بنا ما حل ، وأن اليهود حاكوا الغدر للإسلام من يومه الأول ناصبوه العداء ، وقف على ضياع الأخلاق حين هوت هوى الإسلام ، وهوت العزائم وحل الفتور ، كاد يموت كمدا مما يسمع ويرى ، علم أننا تخلينا عن عزتنا وأبتغينا العزة في غير الإسلام فأذلنا الله ، علم أن الوهن تسرب لأرواحنا وغابت الشجاعة والإقدام ، وحل التكلف والمجاملة محل البساطة والتواضع ، أدرك إذن من أين جاء الخلل حتى حلت بنا الهزائم ..
تتخلل فصول القصة من حين لآخر كلمات عز وفخر للخليفة كلمات بلسم وشفاء للآهات ، نور يشع إخلاصا ويحث على المقاومة كلمات وجدت لها صدى في القلوب ، الإخلاص الذي إفتقدناه في حياتنا ، وقف على أمر خطير ، كيف أن بعض من بني جلدتنا صدقوا الإحتلال ورواياته وأنه ينشد السلام والتعايش !!! وغايته الحقيقية هي شق الصف وخلق جو الفرقة حتى يقضي على الكل ..
وتُختم القصة بنصائح رائعة تحمل تباشير لأمتنا بنصر قادم بحول الله كلها حشد للهمم ، وأنه لا يصلح حال الامة إلا بما صلح أولها ، وأن يكونوا يدا واحدة حتى يُفشلوا كل ما يُحاك لهم ، بقوة وحزم وأن يُقيّموا أخطاء الماضي وهو الأفضل بدل التمادي في الخطأ ، وأن معركة الحق ضد الباطل ماضية إلى إن يرث الله الأرض ومن عليها ، وأن هذا هو قدر أمة الإسلام حاملة مشعل الهداية والسعادة لكل البشرية أن تناف وتكافح عن الإسلام وتحميه وتحفظه، ورغم التضحيات الجسام فالنصر قادم ، فمن أسماء الله الحسنى العدل والعادل فلا يرضى الظلم ولن يرتضيه لعباده ، وإن مع العسر يسرا ..

كيف نغتنم أيام وليالي شهر الخير والبركة ؟؟



 

قال الله تعالى :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة ..
وقال عز شأنه :
( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [البقرة..

عن أبى هريرة رضى الله عنه تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"الصيام جنة فلا يرفث ، ولا يجهل ، إن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إنى صائم مرتين ،والذى نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك . يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلى،الصيام لى وأنا أجزى به، والحسنة بعشر أمثالها." حديث صحيح،رواه البخارى

لا يفصلنا عن رمضان إلا أياما معدودات ، فماذا أعددنا لهذا الضيف الكريم ؟؟ والذي إنتظرناه بشوق ، وقريبا سيدق أبوابنا ، شهر هو خير الشهور ، مدرسة للمؤمن يستخلص منها الدروس والعبر ، شهر الملاحم والبطولات والفتوحات ، جهاد للنفس ، فيه تتضاعف الحسنات ، فيه تفتح أبواب الجنان وتُغلق أبواب النيران ، فيه ليلة خير من ألف شهر ، شهر القرآن ، الغاية منه تقوى الله وأن تَتَخفف الأنفس من كل ما أثقلها ، فالتقوى أعلى المراتب التي ينشدها المؤمن ، لأن الصيام عبادة بينك وبين خالقك ، وهو جُنة ووقاية من كل الأمراض الروحية والجسدية ..

وكما يستعد المؤمن لإستقباله بمزيد من الطاعة والتجرد لله ، أهل المعاصي يستعدون له ، بالمسلسلات التافهة والسهرات والمحرمات ووو ...حتى يشغلوا المؤمن عن هدفه من رمضان وهو نيل رضى الله ..
المؤمن يروح عن نفسه حتى في رمضان لكن بالمباح بالمسابقات القيمة والطاعات والإجتهاد في المنافسة في الخير ولنا في صيف الحرية المثل الأرقى كيف يُمضي المؤمن يومه في طاعة ، أما ليلُه فلقراءة القرآن ولإغتنامه في مرضاة الله ، فلنبتعد عن كل ما من شأنه أن يخدش صيامنا ، ولا ضير في متابعة ما هو مفيد لنا ، ولنحمد الله أنه أطال في عمرنا حتى بلغنا رمضان ، فهذا منّة من الله لنا ..

فلنحرص عن أن لا يفوتنا موسم الطاعات وأن نبتعد عن بعض السلبيات التي نشهدها كثيرا فيه : أولها السهر، حتى لا تفوتك صلاة الفجر ، إحرص على وجبة السحور ففي السحور بركة ، إحرص على صيام الجوارح فهو يوازي صيام الروح ، لا للغيبة والنميمة وكل ما من شأنه أن يُفسد صيامك ، لا للإسراف في الأكل حتى تثقل فلا تستطيع صلاة التراويح ، الصوم مُطهر للروح مما يُغضب الله ومُطهر للجسم من السموم التي علقت بها ، فلا تُعدها ليلا وقد تخلص منها الجسم نهارا ..
قال صلى الله عليه وسلم «ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» رواه الترمذي في سننه ..

لا تُكثر النوم في نهار رمضان ، فيذهب بالأجر ، إبدأ فطورك بالثمر فقد أثبت الطب الحديث أنه أسهل في الإمتصاص وأنه يمد الجسم بالسكر الذي فقده ، أختي المسلمة إعلمي أن رمضان ليس لإبتكرار أصناف المأكولات والإسراف فيها !!!
وأعطي لكل ذي حق حقه إعلمي أنك تحملين رسالة لا تقل عن رسالة أخيه الرجل ، فأغتمني وقتك ، وقت للطاعة ، وقت للإهتمام بالأولاد ، وقت تُعطي لدينك وأمتك بما منّه الله به عليك ..


رمضان مدرسة تسمو الروح ..

قال الله تعالى :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة ..


هذه الصورة مصغره ... اضغط هنا لعرضها بالمقاس الحقيقي ... المقاس الحقيقي 640x400 والحجم 159 كيلوبايت .



المؤمن كل أيامه طاعة وكل عمره يغتنمه في الأعمال الصالحة ، لذلك حين يحل رمضان يجده قد تهيأ وتأهب لإستقباله ، ففيه يُضاعف الأجر وتزيد الحسنات ويُجزل العطاء ، وتكون المكآفة في العيد ويوم القيامة تجد أعظم مكآفئة الجنة إن شاء الله ..

ففي العيد توزع الجوائز وما أغلاها من جزائز ، حيث تحل الرحمة ويغفر الذنب وتُعتق الرقاب من النار إن شاء الله ، ولنعلم أن كل عمل إبتغيته به وجه الله إلا كُتب لك به الأجر فاغتنمه في الطاعات ولا تُحرم أجره ، فلا يفصلنا عنه إلا أياما معدودات، فلو أن ضيفا عزيزا لقلبك طال شوقك له وقد إقترب مجيئه ، كيف ستستقبله ؟؟

وبأي حفاوة ستقابله بها ؟؟ حتما بحبور وفرحة غامرة فهو أحب الشهور للقلوب ، فيه يدعو الداعي يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أدبر ، فلا نطيعه في رمضان ونعصيه في أيام اُخر ، ولنجتهد فيه ، حتى نكون من عتقاءه إن شاء الله ، الصوم يُعلمنا قوة الإرادة ويعرفنا معنى الصبر ، فالطاعات الأخرى علانية في معظمها أما الصيام فهو بينك وبين خالقك ، لا يطلع عليه سواه ، هو تزكية للنفس ، وتدريب لها حتى تُغير من المألوف ..

ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان إيمانا ً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ..
فهو وقاية وهو مدعاة لنا لترك المعاصي والتوبة النصوح والإياب والعودة لله ، وإخلاص النية له ، فالصائم هو من كفّ كل جوارح عما يُغضب الله ، والترفع عن إذاية إخوانه ، هو إذن مدرسة وهو محراب العابد ، تجد فيها سعادة حين تصومه مخلصا وحين تُفطر فرحا بصيامك ، ولو علمنا ما في رمضان من خير لتمنينا أن تكون كل أيامنا رمضان ، فيه تُغسل الأنفس من أرْدانها وتتجرد لخالقها ، فيه نعرف قيمة نِعم الله علينا ، لا تعرف قيمة النعمة إلا إذا حُرمتها ، مثلا الماء موجود في كل ساعة وحِينْ فلا نُدرك قيمته ، وحين نفطر ونرتوي بعد عطش ونأكل بعد جوع تجد اللسان رطبا بذكر الله يحمده ويشكره على نعمه الجليلة ..

والصيام يجعلك تحس بما يُحس به الفقراء والمساكين ، وتعطف على حالهم وترأف بهم وتكفيهم حاجاتهم ، وتُعينهم وترحمهم ، فأنت صائم شهرا فقط ، فكيف بمن يصوم لأشهر ، فهم في كل البقاع محتاجون لمواساتك لهم والتعاطف معهم ..

إذن فالصيام مدرسة لتهذيب النفس وتنقيتها وهو إمتحان لأنفسنا حتى تجتهد وتَجد في الطاعات ، فالروح تسمو في رمضان وتقترب من بارءها ، وأعظم نعمة الكل ينتظرها بعد الرحمة والمغفرة وهي : العتق من النار ..
نسأل الله عز وجل أن يعتق رقابنا ورقابكم ورقاب كل المسلمين والمسلمات من النار يوم القيامة ...اللهم آمين
ورمضان كريم ..
:



الاثنين، 9 يوليو 2012

المرء بأصغريه لسانه وقلبه ..



كانت العرب في الجاهلية وحتى قبل مجيئ الإسلام تربي أبناءها على النخوة والحمية وفصاحة اللسان والشهامة منذ حداثة سنه ، حتى تضحى خلقا لصيقا به ، وحتى يتدرب عليها منذ الصغر ، بل كان من الضروري أن يُرسل الإبن للبادية حتى تتشرب روحه صفاتهم ، ويتنفس هواءها النقي ، ويشتد عوده ويتدرب على البطولات والتحدي ، ولا يترهل ولا يعتاد على رغد العيش فلا يقوى على مجابهة الصعاب ، بل وحين يواجه العراقيل تخور قواه ،...

وفي صدر الأسلام كان للغلمان وجود بارز وبصمة مهمة في المجتمع ، يتنافسون على الخير ، يُجالسون عِلية القوم ينهلون منهم كنوز العلم والمعرفة ، ويتعلمون فنون الشعر وفنون القتال ، فامتازوا برجاحة العقل ونضج ووعي كبيرين ، وكان القرآن حافزا لهم ، فماجاء ذكر الفتية إلا قورنوا بالأخلاق والوعي العالي..
قال تعالى : ( قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ) سورة الأنبياء.
رغم حداثة سنه إعتزل آلهتهم وتأفف منها وهجرها وكان يُبغضها ويُعاديها بل وحطمها ..
وقال أيضا : (...إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى .. ) الكهف
فتية آمنوا برهم وفَروا من قومه حتى لا يفتنونهم في دينهم ، كانوا من عِليه القوم ، تلاقت روحهم على رسالة واحدة الإيمان بالله ، توحدت قلوبهم لم يكونوا فقراء بل أغنياء وعندما عرفوا الحق وتشربته قلوبهم خافوا على دينهم من قومهم فقد كانوا ذا مراس كبير ، هجروا الترف وحياة الغنى ليضمهم كهف بسيط لكنه يحميهم من بطش أهليهم ، فآووا إليه ليكونوا فيما بعد أية من آيات الله تشهد بحقيقة البعث ..

والقصص في هذا الشأن كثيرة واليوم حين قللنا شأنهم حُرمنا عقلهم ، وحُرمنا أفكارهم ، فلكل جيل موارد بين يديه ، إن هو تلقى تربية صالحة منذ الصغر برزت بصماتها في الكبر ، والتعلم في الصغر كالنقش على الحجر ، تظل راسحة مدى الزمن ، فالشباب أمل مستقبل الأمة وحين أهملت الأسرة وظيفتها في رعاية النشئ ، وغابت القدوة الصالحة حل الهوان ، وعظت المصائب ولا ننسى قول النبي عليه الصلاة والسلام : نصرني الشباب وخذلني الشيوخ

فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيتهم ، وأعلم أنك إذا زرعت وَردا أكيد ستحصد شدى فواح وإن أنت زرعت حنظل فلن ينالك منه إلا السدر والشوك ، أولادنا كالشجرة إن أنت تعهدتها بالسقي وأخترت لها السماد القوي والنقي ، وحميتها من الحشرات وقوّمت أغصانها ستقطف ثمارا وتتفيئ ظلالها أي نتاجها هو الولد الصالح ، وحين تُقصر في حقها وتهملها فستكبر الأغصان معوجة أكلتها الحشرات ونخرها السوس ولن تعطيك لا ثمارا ولا أزهارا ..
ولنا في التاريخ قصصا رائعة لأخذ العبرة ، نضعها بين أيديكم لنرقى بتربية أولادنا حتى نبلغ بهم هذا المقام الذي بلغه هذا الصبي :

عندما تولى عمر بن عبدالعزيز الخلافة سنة 99 هجرية 717 ميلادية جاء إليه وفد من الحجاز لتهنئته بالخلافة وتقدم من بين القوم غلام صغير السن، فقال له أمير المؤمنين: تأخر يا غلام وليتقدم من هو أكبر منك سنا. قال الغلام: يا أمير المؤمنين لو كان الأمر بالسن لكان في مجلسك هذا من هو أحق منك بالخلافة، لكن اذا أعطى الله الانسان قلباً مؤمنا وعقلا وفكرا ولسانا يحسن النطق فقد استحق ان يتحدث عن قومه.

فأعجب الخليفة بمنطق الغلام وقال له صدقت، فتكلم أنت، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين لقد قدمنا عليك لا رغبة منا ولارهبة منك، فنحن نعيش أيامك في أمان، نستظل بعدالتك، فنحن وفد للشكر والتهنئة. فسأل عمر عن سن الغلام فقالوا: "عشر سنين".

لقد تكلم فأجاد ووفى ما أحوجنا لهكذا نماذج حتى تكون قدوة لأبناءنا ..

الأحد، 8 يوليو 2012

وأخيرا إنتهت رحلة الفراق والعذاب .. بقلمي ..





هي قصة مؤثرة تحكي فصولها طفلة لم يتجاوز سنها الرابعة عشر ربيعا ، وهي قصة ليست الوحيدة من نوعها، وليست الأولى وقد لا تكون الآخرة في زمن عز فيه الحق وأهله ، بل هناك مثيلاتها وقد تكون هناك قصصا أكثر ألما ووجعا من هاته القصة التي سنرويها وهي تحكي رحلة عذاب طوتها طفلة وآن لها أن تنعم بالحنان والأنس والحب في كنف أباها المعتقل سابقا ، هي قصة جسدت صمود طفلة وصبرها وهي التي لم تحضى بضمة أو قبلة من أباها الذي رحل عنها مرغما وليس طوعا وهي جنين في أحشاء أمها ..

كانت زياراتها لأبيها في المعتقل ترسم على ملامحها أسئلة كثيرة إستوعب عقلها الصغير البعض من إجابات أمها ولم تستوعب الكثير ، عند الزيارة تزيد لوعة الشوق تريد أن تلمس يداها يداه أو تحضنه أو تُسِر له بكلمات حفظتها عن أمها أو تبوح له بما يختلجه صدرها الصغير الذي عانى ألم الفراق ، كلما كبرت كلما إزدادت أسئلتها لأمها : لماذا أسر أبي ؟ لمذا أُحرم من طلته ؟؟ لماذا عزائي أن أراه في الصورة ، أو أحضى به في أحلامي ، يمسح دمعتي ويواسيني ، وحتى وإن رأيته تفصلني بيني وبينه أسلاك من حديد حفرت في قلبي آلام البعد والقهر..

كلما إقترب موعد الزيارة كلما إرتفعت حرارتها حتى يُخيل لأمها أنها مريضة ورغم ذلك تجدها تتعالى عن آلامها هي إذن لوعة الشوق لرأية الأب الغالي كم هو قليل الوقت التي تحضى به معه ، لكن على قلته تجد عزاءها فيه ، كل مرة تحدث نفسها كيف ستلقاه ؟؟ وماذا ستقول له حين تراه ؟؟
لكن ما إن تراه حتى يغلبها الدمع وتنسى كل ما أعدته لتلك اللحظة القاسية ، ولا تبقى في شفتيها إلاكلمة ترددها : بابا بابا إشتقت إليك متى تعود طال غيابك وأحيانا تتكلم العيون دمعا في صمت و تُحبس الكلمات ولا تجد لها منفذا للتعبر عن ما يختلج قلب هاته الصغيرة ويعبر عن ألآم الفراق ، موقف يهز الجبال ..

وفي أحد الأيام بلغ الأسرة الكريمة أن هناك صفقة تحمل إسم صفقة الأحرار ، سيتحرر بموجبها أكثر من ألف أسير ، وتشمل عددا مهما ممن يحملون أحكام مؤبدات ، وقد تشمل أبا فاطمة ، غمرتها الفرحة ولم تصدق النبئ، ومن يومها لم يهدأ لها بال تتابع الأخبار علها تجد ما يفرحها ، مشاعر فرح وخوف معا إنتابت فاطمة ، هل ممكن أن يعود أبي وتعود الفرحة لتكسو بيتنا ، لكنها تخاف أن تفرح ولا يتحقق مناه في عودة أباها ، فينتابها الإحباط ساعات كانت هي ألأطول في حياتها ..

تحدث نفسها كيف سيكون العيد وبابا معانا ، سلفا كان العيد لا معنى له في ظل بعد الأب ، لم تحس أصلا بطعم العيد ، في يوم العيد يكتنفها الحزن والحسرة والألم ، تتطلع للشارع عبر نافدة صغيرة وهي تنظر للأطفال في مثل سنها ، يرفلون في فرحة وحبور ماضون لصلاة العيد برفقة آباءهم يلبسون ملابس العيد ذات الألوان الزاهية تكسو البسمة محياهم وعلامات الرضى بادية عليهم ترسم البهجة على شغاف روحهم ، وهي تجفف دمعها وتبكي مرارة الفراق ، لتجد صدر أمها الحنون تمسح حزنها فيه وتكفكف دمعها ..

هي الزوجة الكريمة الصابرة التي ضحت بسنين عمرها وهي تربي فاطمة وتحدثها عن بطولة أبيها وشهامته ، الأم هي أيضا تشتد عليه الأزمات لكن أمام طفلتها تتعالى على كل شيئ حتى تخفف من وجع فاطمة ، سألت أمها من جديد : لماذا أسر أبي ؟؟ تسأل فاطمة عن أبيها كلما إشتاقت له ودائما تكرر نفس السؤال رغم أنها تعرف الجواب ، لكنها طفلة أثقل الحزن كاهليها وألم البعد هدها ، تجيبها الأم الكريمة : لأنه أبى الركوع في زمن الخنوع ، دافع عن ثرى وطنه الطيب ، سافر بعيدا عنا ليحيا الوطن عزيزا كريما ..

لكن فراغا قاتلا تركه خلفه ورحل في رحلة العذاب ، بعد هنيهة جائت الأخبار تطير على جناح السرعة لقد شملت الصفقة أباها الكريم لم تصدق فاطمة الخبر وأخدت من جديد تتسائل بين نفسها كيف ستكون لحظات اللقاء ؟؟ وقد مضى على أسر الوالد سنين ، جائتها الأجوبة تترا ، فقد جائت اللحظة التي إنتظرتها فاطمة وما أقصى الإنتظار زُفت الأخبار التحرير وعلت الرايات والتكبيرات وعمت الأفراح كل بيت ، سعادة لا توصف هي لحظات إذن يعجز القلم عن التعبير عنها ..

في اليوم الموعود زينت فاطمة البيت بالزهور والشموع وعلت زغاريد الأهل والأحباب والجيران ، ما أصعب ساعات الإنتظار وما أطولها وبعد وقت ليس بالقصير هلّ وجه الأب الحنون بطلته الزاهية ، عانقته فاطمة وألجمتها الفرحة وأطلقت العنان لدموعها لتحكي فصول معاناة دامت سنوات وقفت الكلمات بل وقف الزمن ليرسم لوحة طاهرة من حب وحنان تجمع أب بطفلته ، كانت العَبرات هي التي تتكلم وكانت النظرات رسائل حنان وعطف أبوي حرمت منه لاكثر من عقد ..

ظلت فاطمة تردد كلمة بابا بابا كل حين ووقت ، سجد الأب الكريم سجدة شكر أن أمد الله في عمره حتى لقي الزوجة الصابرة والطفلة البارة والأهل والأحباب ، لم تبرح فاطمة جانبه ، ساعة تُلقي عليه نظراتها بعفوية الطفولة ، وتتفرس ملامحه وساعة تتطلع له ، تقبل جبينه الطاهر ، تبتسم فرحا وطربا لهاته اللحظة التي إنتظرتها طويلا ، وساعة تحكي له عن آلام البعد عنه ، كانت طفلة أكبر من عمرها ربتها أمها على القيم وغرست في قلبها حب الوطن وحب الإنتماء للوطن ، البيت يزهو بأحبابه وعادت البسمة له بد طول غياب تهللت الوجوه بالطلعة البهية ، نسي كل ما مر به وهو يعيش لحظة اللقاء ، لحظة دفئ وحنان حرم منها لسنوات ، اليوم حقا عاد وللمقاومة جهز نفسه ولها من جديد رخص روحه نماذج قل نظيرها في عالم مختلف ، عرف دربه وله وطن روحه ولن يحيد عنه مهما كان ..
تحية إكبار لكل المحررين ونسأل الله لهم الثبات والصمود وأن يبدل آلامهم آمال وأن يجزيهم خيرا على ما بذلوه من راحتهم وروحهم حتى يحيا الوطن كريما ..


السبت، 7 يوليو 2012

:) وداااااعا لحصارك غزة ...



حين أُغلقت كل السبل أمام غزة وسدّت في وجهها شريان حياتها معبر رفح ، حفرت الصخر بسواعد بنيها لم تركع لم ترضى الدنية بل بقيت صامدة ، ورغم ما كابدته من ألم وحسرة ، ظلت غزة ثابتة ، حفرت الأرض وجلبت الحليب وملابس العيد ، ومواد البناء وكل ما يلزم غزة لم تلن تلك السواعد ، بل جعلت من الأنفاق ملاذها للخروج للعالم حتى تلبي حاجات غزة الضرورية ، هو إذن الحصار الجائر ..

كشف للعالم حقيقة المحتل الذي عاقب غزة على نهجها المقاوم ، حتى بلغ به الأمر أن يمنع الحليب عن أطفال غزة ، توالت سفن الدعم لكسر الحصار ، وفي كل مرة تتصدى لها آلة المحتل وتمنعها من بلوغ غزة كم وقفنا على قلوب تتقطع كي تبلغ غزة وتقبل ثراها الطاهر ، وحتى إن جائت عبر معبر رفح أنذاك ، تعرضت للتماطل حتى تفسد المواد أو تُتلف ، طوابير من الشاحنات تنتظر العبور وكلها شوق لترسم البسمة على وجوه الصغار بلمساتها الحانية تمسح عنهم سحنة الحزن ، كانت غزة في أمس الحاجة لمن يُغيثها ، ويخفف عنها الحصار كم من أرواح أزهت أمام التماطل أو الإنتظار لفتح المعبر ..

وفي الآونة الأخيرة تناقلت الأنباء من مصدر مصري أن فك الحصار على غزة في طريقه للحل النهائي وقريبا سيفتح معبر رفح بشكل كامل أمام دخول كل ما تحتاجه غزة من الضروريات وهي خطوة رائعة ومهمة في إنهاء حصار دام زهاء الخمس سنوات عانى منه القطاع الأمرين ، هي إذن خطوة ستجعل الفرحة تتسلل للقطاع وتنسيهم وجع الحصار وآلامه ، فلهم إخوة لن ينسوهم وهو جادون لتخفيف معاناتهم ..

كما أن هناك جهود لتطوير معبر رفح وتجديده حتى يستوعب عدد الشاحنات التي تتكدس أمام المعبر وهذا فيه الخير للجانين وتحسين خدماته ، معبر رفح بوابة ستخدم البلدين بعون الله عندما تقف غزة على أرض صلبة وتنمو فأي خير ستنعم به سينعكس على مصر والعكس صحيح ، فالحصار كان ضررا على الكل غزة ومصر ..

هو قرار إيجابي سيخفف آثار الحصار وسينقد أرواحا من شبح الموت في رحلة البحث عن العلاج وكذا مرور الطلبة وزيارات الأهل ، مصر وفلسطين لا غنى أحدهما عن الأخر وتجمعهما روابط كثيرة ..

الجانب الصحي في قطاع غزة يعاني كثيرا فقد شهد ترديا ونقصا حادا في آلياته الطبية ، القطاع الصحي بالذات محتاج لتكثيف الجهود ودعمه حتى يستطيع تلبية حاجات القطاع ، خطوة تحمل تباشير جمة وتعزز صمود القطاع ، غزة في حاجة لدعم مهم من أشقاءها العرب حتى تقف من جديد على رجليها وتلعب دورا مهما في إغناء القطاع وتطويره فهم لا يحتاجون للرجال ، فسواعد بنيها حفرت الصخر ، بل تحتاج لدعم حتى يقوى ظهرهم ..

هي دعوة إذن للوقوف مع غزة حتى يكون لها مكان ، لا يكفي أن تعطيه كل يوم سمكة بل علمه كيف يصطاد ، عندما تتكاثف الجهود القيمة ويقدم الدعم المهم لخلق مشاريع في القطاع والنهوض به ، عندها ستشهد غزة مستقبلا واعدا بعون الله ، ولا نعتمد فقط على المساعدات وإن كانت مهمة وتسد حاجات الكثيرين لكن حين ندعم إقتصاد غزة حتما سيشتد عودها ، فذلك أفضل لأنك ستحيي فيه الهمة للعمل والمثابرة والعطاء بدل الركون للمساعدات وهم أهل للعطاء والبذل ..

خطوة مصر خطوة مشرفة تُحسب لها وتُحسب لصمود القطاع وأهله الذين صبروا وتحملوا المشاق بقلوب موقنة بالفَرج ، نسأل الله أن تتم هذه الخطوة على خير وتنعكس إيجابا على الجانبين غزة ومصر وكل فلسطين ، بعون الله ..



الجمعة، 6 يوليو 2012

إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ..

عندما نكتب نعبر عما يختلج أرواحنا ، فحين يبلغ السيل الزبى ويبلغ الحزن منتهاه ، حينها تبحث عن مكان تجد فيه السلوى  كلماتك علها تجد صدى ، فلنعلم أن الله ما خلق خلقا أهون عليه من الدنيا ، هي الدنيا ذاك البحر العريض ، كلما شربت مه زدت عطشا ، هلك فيه الكثيرون ، حين تركوا الحمى الآمن ، والأخوة الصادقة والهدف النبيل ، فأجعل سفينتك تقوى الله ، وعدتك التوكل عليه ، وزادك العمل الصالح ، وأعلم أن الصبر مفتاح الفرج ، وأن مع العسر يسرا ، الكتابة لاتفقد المرء ملامحه أو تجرده عن روحه ، بل هي من تجعله يدرك مكنون روحه وتخفف عنه أحمالا أثقلت كاهليه ، ..

في المقابل حين يكون لأحد إحساس وهاج وصدق في الكلمة ، لماذا يخفيها حتى لا يحضى بها غيره ، فقد يتعرف عليه آخرون عن قرب من خلال كلماته ، ولو فكر كل إنسان أن يحجر على كلماته في مكنون روحه لماتت ولم تعد لها معنى ، أو لحرم الناس عطاءه ، لأن روحه لها طاقة تحمل فنحن بشر ، ففي البوح بما يكتم أنفاسنا نرتاح وخاصة حين نجد من يتجاوب مع كلماتنا ، ويهتم لها ، فقد  يظلم المرء نفسه حين يسجن كلماته ، وفي  حبسها دون وجه حق سيحرم الآخرين أن يتلمسوا من خلالها شخصك وروحك ، إطلق لها العنان وفك أسرها فقد تكون في سراحها أحسن بكثير حين تكون مكتومة أو مسجونة ..

سيقف عندها الآخرون وسيقرأون ما بين السطور وما تحمله تحت طياتها ، وستلقى بعون الله كل الإهتمام ، لن يستطيع المؤمن أن يحيا في عالم وحده بل يعيش مع إخوته يقاسمهم أفراحهم وأتراحهم ويخفف عنهم ، والذئب يأكل من الغنم القاصية ..

لا تعطي الكثير فقط النزر القليل حتى لا تفقد روحك  ، لكن لماذا علينا  أن ربط الكلمات بالروح،  فتضحى جسدا واحدا لو إنفكت عنه حينها تموت الروح ..
لولا فسحة الأمل لمات المرء كمدا، اليأس لامكان له في قاموس المسلم ، لا نكتب حتى يمدحوننا او يقولوا عنا كتاب ، بل حتى نحس بالراحة ونحن نلقى آّذانا صاغية تهتم لنا ونهتم لها ..

أخوة قد لا تجدها في موطن آخر ، فاللهم أجعلنا خيرا مما يظنون وأغفر لنا مالا يعلمون ، أكيد أنك حين تتكلم لن تفقد روحك بريقها ، بل ستجدها بعدما إفتقدته وسيرتاح الفؤاد لأنه خفف عما يثقله ، الإبتلاء قد يختلف من شخص لآخر لكنه يبقى إبتلاء ، إستمد القوة من الله حتى تتغلب عل معيقات الدنيا..

كم أحببنا من خيار هذه الأمة وكم تمنينا أن نحضى بالتعرف عليهم، ونقطف الأزهارمن شدى كلماتهم ونسيم عبيرهم ،  لكن الشهادة كانت غايتهم كلماتهم كانت سلوى لنا ورغم ذلك عزاءنا أن نلقاهم في الجنة بإذن الله حين يجمعنا الله تحت ظل عرشه الكريم إن شاء الله ، وجوه كالقمر ضياءا يغبطهم الأنبياء والرسل هم من جمعهم حب الله هم القابضون على الجمر هم كوكبة ندرت لله نفسها حتى تلقاه وهو راض عنها ..

اللهم إجعلنا منهم ..