ضمته لصدرها برفق وطبعت على خده قبلة حنان، قد لا يستوعب عقله الصغير ما يدور حوله، إلا أن تصرفه ليلتها يوحي بالكثير، تصرف وكأنه أكبر من سنه، لم يملأ الجو صراخا، كعادة الأطفال في سنه، عندما تهم الأم بتركه والمغادرة ولو لفترة قصيرة، لا يطيق فراقها ويرتبط بها، لم يمسك بتلابيبها حتى تبقى لجواره أو يرافقها هو في مشوارها حتى لا تتركه، عادة الاطفال لا يشعرون بالأمن والأمان إلا في أحضان امهاتهم، بل ودعها بهدوء وعانقته هي بكل حنان كلهما يقين بأن الغيبة لن تطول، بإذن الله ..
لا تستغرب من هذا المشهد المهيب، فهي من أرضعته العزة والأنفة، وقد ألف أن يرى أمه في ميادين الرباط، شامخة تحمل همّ وطنها ولم يثنِها وجعه أن تهتم بقضايا أمتها ولم تنسِها همومها هموم أمتها، اعتاد أن يرى أمه دوما عزيزة كريمة شامخة أبية .. شبل ترعرع في عرين لا يقبل الضيم ويرفض الذل والهوان ويصر على المطالبة بحقوقه، مشهد جد مؤثر فوت على الاحتلال مآربه، حرمت الصهاينة من أن ينتشي بنصر متوهم، أم تودع ابنها وكأن قلبها ينتزع من مكانه، فمهجة فؤادها ستفارقه، ومع كم الوجع إلا أنها لم تترك للاحتلال الوقت ليشهد لحظة انكسار ..
كل العائلة ساندتها، فكانت لها نعم العون، مساندة الأسير تخفف عنه معاناته وتشد من أزره وتقويه، فالصبر والثبات والتآلف والتماسك بين افراد العائلة ومتانة الروابط وتثمين التضحيات وصلابتهم وعدم انكسارهم أمام المحن والشدائد، كلها اسلحة يشهرها الاسير في وجه سجانه ليهزم بها جبروته ..
غدا الدفاع عن وطن مسلوب في عرف الإحتلال جريرة وهو من يدعي أنه "واحة الديمقراطية" في وسط يعج بالديكتاتوريات، إذ به يضيق بقلم حر يأبى نسيان حقه ويذود عنه باستماتة، كلمة حرة صادقة تأبى التدجين أو الاستكانة.
وكعادة الصهاينة، لا تهوى إلا الظلام ولا يحلو لها أن تتحرك إلا فيه، يقتحمون البيوت الآمنة ويروعون من فيها ويختطفون البسمة من الشفاه ويتركون في البيت فراغا قاتلا بعد أن ملأته الأم بحنانها وقلبها المفعم بالمحبة والسكينة والود لكل من فيه ..
صغيرها اعتاد أن ينام بين ذراعيها، اليوم يحمل الهاتف لا ليلهو به كبقية الصغار، بل ليملأ نظراته البريئة من صورة أمه التي افتقدها، يقبلها ويسكن إليها ولا يطيق فراق صورتها ..
جريرة أمه قلمها الجريء وصوتها القوي المجلجل، قلم لا يعرف المهادنة ولا التملق، يناهض الاحتلال واعوانه بصلابة وقوة، كل الضغوط التي مورست بحقها لتثنيها عن الصدح بالحق باءت بالفشل، عجزوا عن كسر إرادتها بكل اساليبهم الخبيثة، باتت كلماتها القوية تزعج الصهاينة واذنابهم وتقض مضجعهم، ومع ذلك صمدت على دربها حتى في اصعب الظروف، فهي فارسة الكلمة الصادقة والرصينة ..
فما كان من الاحتلال إلا أن منع صور عائلتها الصغيرة، فقد ترفع معنوياتها وتعزز صمودها وتقوي شكيمتها، صور تعكس ثبات وصمود وتفوق ونجاح فلذات كبدها، تحدوا غياب الأم قسرا وما يتركه هذا الغياب من ألم ووجع وتجلدوا بالصبر ومع أن الألم في غيابها عن مشاركة اللحظات الجميلة مع اسرتها هو ما يوجع أكثر، إلا أنه غباء الاحتلال المركب، فأي شيء يفرح الأسير ويدخل السرور لقلبه يسعى لمنعه عنه، ويبقى أجمل ما يفرح قلب الأم أن ترى البسمة تعلو محيا صغارها، وقد تفوقوا في دراستهم وزاد تماسكهم وصمودهم، فهذا الذي يمدها بالصبر والثبات ويخفف آلامها ..
صور ترى فيها صغيرها وقد أحاطه من حوله بالعناية وغمروه بحبهم، هذا يخفف من لوعتها وشوقها لصغيرها، ومع كل الرعاية سيظل صغيرها ينتظر ضمة لصدرها من جديد لتغدق عليه من حنانها وتطفئ لوعة شوقها له.
قصة الكاتبة المتميزة لمى خاطر وما تضمنته من ألم وأمل تعكس قصص عشرات الاسيرات خلف القضبان، ممن ينتظرن بلهفة وشوق لمة العائلة وتنسم عبير الحرية ..
يسعى الاحتلال أن يجمع على الأسير سوء المعاملة وهضم حقوقه وثقل القيد والبعد عن الأهل والأحبة وعتمة السجن، حتى يضيق صدره وينوء حمله، إلا أن الأسرى خاضوا معركة الكرامة بامعائهم الخاوية وانتزعوا حقوقهم من بين انياب السجان، فالأصل حريتهم وعودتهم لدفء العائلة، إلا أن لهم حقوقا مطلوبٌ أن ينعموا بها حتى يحين موعد حريتهم ولم شملهم بأحبتهم، وكما كانت وفاء الأحرار الاولى والتي تنسم فيها الاسرى والاسيرات عبير الحرية، بإذن الله ستتكرر الفرحة، فالمقاومة لا تألو جهدا في تحريرهم وتولي ملفهم كل اهتمام وقريبا بإذن الله ستشرق شمس الحرية ..

التطبيع خيانة لدماء المسلمين التي روت ثرى فلسطين الطيب، منذ الفتح الإسلامي ليومنا هذا، والتطبيع تفريط في مكانة أرض الرباط والعصف بمسؤولية الأمة نحو مقدساتها، نحو أرض الإسراء والمعراج وما تمثله من منزلة رفيعة لدى المسلمين، وفي قلبها يتربع الأقصى المبارك أولى القبلتين وثاني المسجدين، وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، ومسرى الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وقد قرن الله عز وجل بين الاقصى المبارك والمسجد الحرام، لنقف على اهميتهما وواجب الأمة نحوهما والذود عنهما، ومن يفرط في أحدهما فكيف له أن يحفظ الآخر أو يصونه!!
التطبيع يبث سموم الفرقة بين صفوف الأمة ويشتت شملها ويعصف بجهدها ويمزق نسيجها. التطبيع يمكّن الصهاينة من التسلل لكل مفاصل الأمة لينخرها. فالصهاينة ليسوا لا قوم حرب ولا قوم سلم، فغزة العزة بددت وهشمت مقولة "جيش لا يقهر " وظهر للعيان جبنهم وخورهم وحقيقتهم. لا يستعرضون عضلاتهم إلا على العزل والأبرياء من الأطفال والنساء، ويرتكبون أفظع الجرائم التي لن تسقط بالتقادم، وفي السلم يبرز لؤمهم ونذالتهم وخستهم ومكرهم ويأخذون فيه ما عجزوا عن أخذه ببشاعتهم وشناعتهم في عدوانهم، فهم من يبث النعرات ويذكي الحروب لإضعاف الأمة ويفتتها ليسهل الانقضاض عليها ..
بالتطبيع يغدو العدو المتربص بأمتنا، صديقا وجارا وحليفا والمناهض للتطبيع خلاف ذلك!! يسعى المطبعون لتغيير نظرة شعوب الأمة لعدوها الحقيقي، للمغتصب للحق ومدنس المقدسات ومحتل الأرض وتحوير بوصلة الأمة، فكيف للأمة أن تتعايش مع سرطان ينهش في قلبها ويهدد دعائمها وينخر في مفاصلها، الورم الخبيث يتجيش له الجسد كله، فيواجهه بقوة وصرامة حتى دحره، لن تتعافى الأمة من مصائبها وتعود لمجدها حتى تواجه الورم الخبيث بحزم وتستأصله من جذوره ..
عدو الأمس هو نفسه عدو اليوم، هو من يؤجج الصراعات ويذكي نيران الحروب لينهك جسد الأمة، لتغدو لقمة سائغة بين يدي عدوها، والكل وقف على الحكمة من قصة قيس بن شاس، الذي أغاظه لحمة المسلمين ووحدتهم وتآلفهم ومودتهم ونبذهم لخلافاتهم التي انهكتهم، فأرسل غلامه ليحرض ويفسد بينهم ويفرق شملهم، ويذكرهم بحزازات الجاهلية فيوغر الصدور حتى كاد القوم أن يتقاتلوا لولا رعاية الله التي حفتهم، ثم رسول الله صلى الله عليهم ذكرهم بنعمة الإسلام الذي جمع شملهم ووحدهم وأذاب حزازات الجاهلية ..
فكيف لك أن تضع يدك في يد من حاصر أخاك ومن اغتصب أرض الرباط ومن يحتل مقدساتنا التي تعربد فيها قطعان مستوطنيهم، الأمة السليمة لا تركن للتطبيع ولا تستسيغه فهي تدرك مخاطره الجمة عليها، بل تأنف منه وتناهضه وترفض أن ترسف في اغلاله ولا تكبلها قيوده، والتطبيع لا يعني توزيع الابتسامات على الشاشات وكم المجاملات التي ينثرها البعض هنا وهناك!! بل يتجاوز هذا كله لما هو انكى وأخطر، التطبيع اخطبوط يمتد لكل الجسد، ليعم كل المناحي وكل المجالات ويبلغ كل مفاصل الأمة لينخرها فسادا وسوسا ويدمرها لا قدر الله فيتداعى البنيان، الجسد الذي يستسلم للسرطان يقضي على مناعته ويفنيه.
الهدف الخبيث من وراء التطبيع سلخ العربي من هويته وتغيير نظرته وشعوره نحو المحتل وكي وعيه، يمرر روايات الأحتلال المشروخة بحذافيرها، تزوير للتاريخ وتسليم للواقع المر، واستساغة للهزيمة وانقلاب على كل الحقائق والعصف بحقيقة الصراع بين الأمة ومحتل مقدساتها، وفتح الأبواب على مصراعيها للصهاينة للعربدة بعد التغلغل في نسيجها وحتى يعيثوا في الأرض فسادا، هو خيانة لأمانة تشرفت بحملها الأمة. وحادثة الإسراء والمعراج لا تخلو من دلالات عظيمة، فهذه الأمة التي تشرف نبيها بالصلاة إماما بكل الأنبياء وتسلم مفاتيح القدس، واختصت بشرف حماية وصون الأقصى المبارك، كيف لها أن تتنكر لواجبها وتعصف بوعودها أو تنسف عهودها أو تفرط في الأمانة، وتترك مقدساتها تئن تحت وطأة الاحتلال لأكثر من سبعة عقود؟
التطبيع انقلاب على كل المفاهيم !!

عام من الصمود والثبات، عام من الجسارة والإقدام، عام من الإصرار والتصميم، عام من الصبر والتحدي، عام من البذل والعطاء والتضحيات، عام من الشموخ والعزة والإباء، عام من الملاحم والبطولات، عام من الشجاعة والبسالة تكلل بمليونية الأرض والعودة، ولا زال في جعبة هذا الشعب الأبيّ العديد من المفاجآت التي تثلج الصدور وتبهج الروح، شباب ثائر ابهر العالم بصموده، لم تفتر همته ولم تلن عزائمه ولم يثنِهم بطش الاحتلال وصلفه عن مواصلة المشوار، ولم يلتفت لأبواق الصهاينة التي تسعى لتحوير البوصلة ولم تعر اهتماما لأبواق التخذيل والتثبيط ..
وزادتها دماء الشهداء الأبرار اصرارا وتصميما في طلب الحقوق، فكانت وقودا أجج همم الشباب الثائر واشعل حماستهم وحلّ التألق والإبتكار والإبداع والتوهج وكان الوفاء والإخلاص للدماء الطاهرة وتثمين تضحياتهم الجسيمة في أرقى صوره، وبمواصلة المسير والسير على دربهم، درب التضحية والفداء ونصرة للحق والتمسك بالثوابت، مسيرة خالدة، مظفرة وحدت الصفوف على كل الأصعدة، فجسدت اللحمة في أبهى صورها، عجز الاحتلال عن فصم عراها، مليونية ذكرت العالم بالحصار الجائر الذي لم ينل من عزيمة الشعب المعطاء وفاقمت المعاناة عقوبات جائرة شاركت المحتل حيفه، ورغم مرارة الحصار ظل الشعب الأبيّ وفيا لمقاومته، ملتفا حولها، يحتضنها فهي ذرعه الحصين ..
مليونية اظهر فيها الشعب للعالم تشبته بثوابته وحقوقه والسعي لاستعادتها وبذل في سبيل استردادها الغالي والنفيس، حقوق تأبى النسيان، بصبره وصموده بإذن الله سيكسر الحصار فما ضاع حق وراءه مطالب، في كل جمعة يجدد الشعب البطل العهد للأرض التي عشقها والتي ترنو العيون لرؤيتها وتهفو القلوب للقياها، فيها ترفع الشعارات وتحيى الذكريات وتترسخ الهوية ويتجلى الثرات في أجمل حلة، والكل يصب في حفظ وصون الحق الفلسطيني، وفي عامها الثاني تنير المسيرة شمعة الأمل في النفوس التي لم يفت في عضدها الحصار رغم مرارته ولم تثنِها الشدائد والمحن، لا مكان لليأس في قاموسهم، ابداعاتهم المتجددة وابتكاراتهم وتطويرها تعكس نفسهم الطويل وهمتهم العالية، همة تناطح السحاب، مسيرة بعثت الروح في جسد القضية الذي كاد أن يطويها النسيان واعادتها للواجهة، وذكرت العالم بمعاناة شعب يئن تحت نير الاحتلال لأكثر من سبعة عقود وبحصار جائر، حقوق مسلوبة وأرض مغتصبة ومقدسات أمة يتم تدنيسها، مسيرة ذكرت الأمتين بواجبهما نحو القضية الجوهرية وواجبهما نحو القبلة الأولى وثاني المسجدين ومسرى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ..
شعب أبيّ رغم ما يعانيه من مرارة الحصار تجده في المقدمة يواسي أمته ويهتم بقضاياها ويتفاعل معها، لم تنسِه همومه معاناة إخوته، شعب انتفض مطالبا بحقوقه، مستميتا عليها، مليونية تفاعل معها الفلسطيني أينما حل أو ارتحل حاملا همّ وطنه وآلامه وأوجاعه، يتوق للعودة لأرضه وبيارته وقراه ومسجده، يتطلع ليوم تُفك فيه أغلال الاحتلال، مليونية تفاعل معها كل غيور وكل مؤمن بالقضية العادلة وكل احرار العالم، يوم مشهود أعلن فيه الشعب بقوة مواصلة المسير حتى تحقيق كل الأهداف، المشاركة المكثفة والفاعلة والحضور القوي رسالة للعالم أجمع، أن هذا شعب لن يلين ولن يستسلم ولن يرفع الراية البيضاء ومتشبت بحقوقه وملتف حول مقاومته الباسلة ..
اختطفوا الأم من بين فلذات أكبادها بكل صلف وجور وروعوا الآمنين في كل أرجاء البيت ليزرعوا فيه الخوف ، لا يستندون لقانون إلا لقانون الغاب ، وحرموا طفلتها من حضن أمها وحنانها وعطفها ومن دفء العائلة وقالوا لها في المدرسة اكتبي عن حب الوطن !!
تناسوا أن حب الوطن هو جريرة أمها ، في ظل استبداد صادر ارادتها وعصف بصوتها ، فعن أي وطن ستكتب عنه ؟! ذاك الذي كمم الافواه ، وقد غدا فيه التعبير عن الرأي جريمة يحاسب عليها وينزل بحق صاحبها أقسى العقوبات وغدا فيه الدفاع عن المظلومين مستهجن ومتابع صاحبه ، أم ذاك الذي تُعتقل فيه الحرائر ويُنكل بهن في غياهب السجون وتداس فيه الكرامة في أقبية التحقيق وتُهدر فيه الآدمية ، وتشتت في شمل العوائل وهُضمت فيه الحقوق وسرق الإستبداد البسمة من شفاه البراءة ..
وطن لم تجد فيه حريتك ، كل كلمة فيه مرصودة ، والإنفاس فيه محسوبة ، وطن تحول بأفعال الشنيعة للإستبداد لسجن كبير كئيب ، الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود ، وطن صودرت فيه إرادتك وخيم عليه الخوف وغاب فيه العدل وتفشى فيه الظلم وطفا فيه القهر وطن يتربص فيه شبح الموت بالشباب ليفتك بهم فيضيع مستقبل الوطن ، ويجع بمحاكمات صورية واعترافات تُنتزع تحت التعذيب واعمار لشباب في عمر الزهور تُهدر خلف القضبان ، احرار خلف الأسوار تفانوا في حب وطنهم ، وعبروا عن حبهم للوطن برفضهم للإذعان لأملاءات الإستبداد وناهضوه ولم يستكينوا لإرادته ، وجادوا بروحهم حبا في وطنهم ، وطن مثقل بالجراح ومثخت بالأوجاع والهموم والآهات ، وطن شرفاؤه خلف الأسوار تلهتم سنيّ عمره الزنازن الموحشة وشعب هدّه الفقر والعوز والحاجة ، وطن بات في ذيل القافلة على كل الأصعدة..
أم هل تكتب عن وطن ثار الشعب فيه على الظلم ، الذي عانى من وطأته لعقود وفساد استشرى أوعز البلد فيه للتخلف والأمية والفقروالتقهقر ، كان كل أمله أن يرى وطنا يسود فيه العدل وينعم في أفيائه بالحرية والكرامة والعدالة ، ويسعد بطاقاته وثرواته ومقدراته ، فكاد له الإستبداد بمكر، فكان مصيره السحل والقتل والحرق والإعدامات بدم بارد في الميادين والساحات والنفي والإعتقال ، وهل تكتب عن وطن مزق الإستبداد نسيجه وفرق فيه الشمل ودق أسفين الفرقة في جسده ، أم هل تطلق لخيالها العنان فتكتب عن وطن رسمت ملامحه في مخيلتها ، وطن تنشده لتسعد في كنفه ، وطن يحتضن عطاء شعبه ويعلي قدره ويستثمر طاقاته ليشيد بها صرحه ، ويبنى بها مجده ويولي اهتماما لعطائه وانجازاته وينمي مواهبه ويستفيد من ابداعاته فيتميز به ، وطن يسوده الأمن والأماه في ارجائه وطن يحقق نهضته ويقود الأمة نحو الريادة .
وطن تطهر من رجس الفساد والمفسدين ، وعادت له عافيته وطن عاد لمجده ومكانته وريادته ، إلا أن الإستبداد أفشل جهده واجهض حلمه ووأد أمله ونسف ثورته وحول أحلامه لكوابيس تؤرقه ، أم هل تكتب عن عقول هاجرت وطنا لم يهيئ لها التربية الخصبة لتتميز وتطور من ابداعاتها ولم تجد من يقدر مواهبها ، في المقابل وجد غربا يفتح له الأبواب على مصراعيها ليستفيد منه ويوظف عطاءه خدمة لمصالحه ، وبعد هجرة العقول هاجرت الأجساد الذي انهكها الفقر والجوع والعوز ، أو غادرته خوفا من تلفيق التهم واستصدار الأحكام الجائرة ، فأذرع الأنقلاب جاهزة لكل حيف وجور بحق كل المنهاضيه له ، أو مر بتجربة مريرة في سجون الإنقلاب ، فتركت في نفسه ندوبا لن تندمل ، فترك وطنا لم يجد فيه من ينصفه وفر من استبداد جار عليه..
قد يجد بعض السلوى في الغربة ، وإلا فكيف لمن أحب وطنه أن يهاجر منه إلا مكرها ، بحثا عن ملاذ يعبر فيه بحرية عن رأيه ، أوبحثا عن مجال فسيح يكشف فيه جرائم الإنقلاب بلا خوف أو وجل ويوصل صوت المكلومين للعالم ، ومن أحب الوطن يغادره بالجسد وتبقى الروح مكبلة فيه تئن لفراقه وتتوق لعودته ، من أحب وطنه يشق عليه فراقه ، حتى في الغربة يتطلع لوطنه ويرنو لفك أغلاله ، ويبحث له عن الدواء الناجع لأورامه حتى يتعافى منها ليعود إليه ويسعد في كنفه ، رحلة المنفى لا تعني نسيان الوطن ، فالمحب للوطن ، يحمل همه حتى في منفاه وتشغله أوجاع وطنه ..
هم يريدونها أن تكتب عن من يتدشق بحبه للوطن وهو يشرح فيه ويمزق أوصاله وقد باعه مقابل الحفاظ على امتيازاته وتأمين مصالحه ومصالح من يحمي كرسيه ، ويفرط في ثراه الغالي ويعصف بمصالحه العليا ، ويجعله لقمة سائغة لعدو يتربص به ، همه مصالحه لا غير ، ينظر للوطن على أنه كعكة مستعد للتفريط في سيادته حتى يجثم على كرسيه ويطيل أمده ، لأن من يحب الوطن يحميه ويذود عنه ويقويه ويبعد عنه الشر ومكر المترصبن به ويُفوت عنه مآرب وخطط أعداءه الحقيقيون ويصونه ، ويكرم شعبه ويعلي مقداره ويحافظ عليه ويثمن تضحيات المخلصين والشرفاء فيه ويكون شعبه هو رصيده ويسعى لتقدمه وازدهاره وليس من يقامر به ويساوم عليه ، ثم يدعي بهتانا وزورا محبته !!..

كل فتاة غالبا ما ترسم ملامح معينة لفارس أحلامها حسب وعيها وونضجها وطريقة تفكيرها وواقعها وبيئتها التي ترعرعت فيها (وعندما فُرط في تربيتها التربية الصالحة وتُركت نهبا لكل مستورد وللغثاء الذي تعج به الفضائيات والسموم التي تبثها، غدا فارس احلامها بعيدا كل البعد عن قيم ومبادئ واعراف وتقاليد درجت عليها الامهات ومن قبل الجدات أو لا تمت بصلة للقدوات الصالحة، صاحب الدين والخلق) وتنصب اهتماماتها على الكماليات وتنسج احلاما وردية عن حياة مرفهة وتتمنى أن تكون خطوبتها أحلى وأزهى من مثيلاتها من بنات الجيران والصديقات والقريبات، وتتباهى بزفافها وعريسها أمام قريناتها، إلا هي كانت مختلفة عنهن تماما، اصطفت من الرجال من عشق الأرض، أسد خلف القضبان، تفانى في حب فلسطين وضحى بزهرة شبابه فداءََ لها..
أحبت فيه جسارته وبطولته ونضاله وبسالته وابتسامة النصر التي قهرت سجانه، قرأت ما كُتب عنه وما كتبه هو عن نفسه، أدهشها نهجه المقاوم ووقفت على صفحات وضاءة من حياته الحافلة بالإنجاز والعطاء والمقاومة، انبهرت بمشواره الجهادي، وأسرتها ابتسامته التي واجه بها صلف الإحتلال، كيف لأسير يواجه أقسى الأحكام ومحاط بعشرات الجنود المدججين بالسلاح، يواجه كل هذا بثبات وصلابة وقوة، لم يهتز ولم يلن أمام غطرسة الاحتلال ولم ينهزم ولم يضعف وواجهه بكل كبرياء وأنفة وشهامة، هذا هو فارس أحلامها الذي كانت تنشد الارتباط به..
أدركت أن هذه الخطوة التي اقدمت عليها ليست بالسهلة أو الهينة ودونها مشاق ومصاعب وتحديات، لم تلتفت للأحاديث المثبطة للعزائم، وواجهت موجة الرفض التي حاصرتها بالثقة والإصرار والاستماتة على القرار والذي اتخذته بإمعان وروية وبعقلانية ، تحدت كل ما كان يحول دون تحقيق حلمها، علمت أن الخطوبة لن تكون عادية نظرا لخصوصية الأسير، فرفيق دربها خلف الأسوار وأهله يفصل بينهم وبينها حواجز وموانع، واحتلال بغيض مزق أوصال الوطن وأعد السجون لتكون مقابر للأحياء، في عتمتها تذبل أجسادهم الطاهرة ويكسرهم البعد والحنين والشوق لأحبتهم ويثقل كاهلهم سنيّ الإنتظار، إلا أن عزيمة الأسير وعدالة قضيته، تشحن روحه وتعلي همته وتقوي إرادته، فقد حول سجنه بصبره وصموده لساحة عطاء وعمل ونهل للمعرفة والتحصيل العلمي والدراسة وتأليف الكتب ونظم الشعر وتفتقت في المواهب والاعتكاف على حفظ كتاب الله، وبدد ظلمة السجن بيقين الفرج ..
أختارته لأنها أحبت أن تشاركه شرف الجهاد ووسام الكفاح ، وتضحي معه حبا لوطن ترنو لأن تراه محررا، لم تلتقِ به إلا عبر الصور وعبر الرسائل المفعمة بروح التحدي والمحبة والصبر والألفة، رسائل وطدت علاقتهما ووثقت أواصر المحبة بينهما، من خلالها تعرفت عليه أكثر، وقفت على طيبة قلبه وعلى عشقه للأرض وسمته العالي، أعادت لقلبه حيويته ونشاطه ورونقه وبهاءه وسكينته ، فهناك من تنتظر شوقا للقياه، ولتكمل معه مشوار الكفاح والنضال الذي بدأه، كلها يقين أن صبرها سيزهر وسيكلل بالنجاح وأن شمس الحرية ستشرق من جديد، وأن قلبيهما سيجتمعان تحت سقف واحد كما اجتمعت روحهما في رحاب من المحبة والصفاء والإخلاص، وكما وعدت المقاومة وأوفت بوعدها وكسرت القيود في صفقة مشرفة، بإذن الله سيتكرر الحدث وسيتنسم أسرى الحرية عبيرها، وستدخل الفرحة بيوت الأسرى، فرحة طالما انتظروها وغابت عنهم لعقود ويلتم شملهم بأحبتهم، وستتلاشى عذابات الانتظار، وسترتسم البهجة على محياهم هم وأحبابهم وسيصبح الحلم حقيقة وستتنفس الأرواح المنهكة الصعداء وسينكسر القيد وستنجلي ظلمة السجن بإذن الله..

قال تعالى على لسان السيدة مريم : (( يا ليتني متّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا )) ، تعبيرات موجعة تعكس حجم القهر والضيم الذي انتاب السيدة مريم وقتها ، بل حجم المعاناة وما ستتعرض له من آلام وما ستكابده من شدائد ومحن ، عبارات شديدة نطقت بها السيدة مريم تعبر عن ما يختلج صدرها من هواجس وما كانت تنتظر من أهوال يشيب لها الولدان ، وما ستصادفه من آهات وهي الوحيدة المجردة من كل قوة إلا من قوة الله جل وعلا ، لا معين لها ولا سند ولا من سيخفف عنها ما ستلاقيه في طريقها ، عبارات تنم عن حزن عميق تملكها..
فهي العفيفة الطاهرة ، سليلة بيت صالح ، عرف بالطيبة والطهارة والشرف ، هي الأبية التي نذرت وقتها وجهدها للتبتل والعبادة والطاعة واليوم نظيرتها المقدسية تتعرض لكل أصناف التنكيل في ظل احتلال بغيض ، إن كانت السيدة مريم البارحة تعرضت لكم من السخرية والتهكم ولفقت لها التهم جزافا وصبرت في وجه الباطل ، فاليوم مريم المقدسية تعاني الأمرين وتستمد من سيرتها العطرة ملاحم الصبر والصمود ، إن عبرت عن حبها لمقدساتها في مواقع التواصل الإجتماعي ، اعتقلها الإحتلال ونكل بها ولفق لها تهمة "التحريض" وإن دافعت على حياض مسجدها نكل بها وحاول اذلالها وامعن في التنكيل بها..
فلا تترك مريم المقدسية تواجه صلف الإحتلال بمفردها ، ادعم صبرها ، عزز صمودها ، ارفع معنوياتها ، شد من أزرها ، خفف من آلامها ، ادعم حقها في أرضها ومقدساتها ، هي المقدسية الباسلة ، تدرك بوعيها أن المعركة ضد الإحتلال يشارك فيها الجميع ، الرجل والمرأة على السواء ، هي من تتصدى لغطرسة الإحتلال بكل جسارة ، توصل رسالتها للعالم أجمع وتكشف جرائم الإحتلال بحقها وبحق مقدساتها ، هي من تدافع عن جزء من عقيدتك يا مسلم ، لترفع عنه الذل والهوان تنتصر له ، فهو اليوم يتعرض لأبشع تنكيل ، حملة شرسة تستهدف طهارته وعفته وقدسيته ، يعربد في باحاته قطعان المستوطنين ويدنسون ويعصفون بجلاله وقدره ومنزلته ..
يمنعها الإحتلال من الصلاة في مسجدها وهي لا تبتعد عنه إلا خطوات وإن أصرت على حقها فيه ابعدها عن مهجة قلبها وحرمها منه تعسفا وجورا ، لا تدع مريم المقدسية تعاني صلف الإحتلال وحدها ، عرّف بقضيتها انتصر لحقها ..
وفي خضم المعاناة وفي احلك الظروف ، جاء المدد والسند والثبات للسيدة مريم عبر كلمات وليدها ، فتبددت هواجسها واراحت قلبها وعمت الطمأنينة والسكينة فؤادها ، ومهما سخروا منها ولفقوا لها التهم لم تبالي ، فالحق الذي صدح به وليدها عزز قوتها وضمد جراحها واسكن أوجاعها ..
ومريم المقدسية اليوم تستمد قوتها من الله عز وجل ، ثم من عدالة القضية ومن مساندتك لها ، لا تلتف لإفتراءاتهم ، صبرها وصمودها يفند رواياته الإحتلال المشروخة ، سخرت جهدها ونذرت وقتها للدفاع عن مسرى الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ، ثاني المسجدين والقبلة الأولى ، بصمودها تفوت على الإحتلال مكره ، دعمك لها تخفيف لما أثقل كاهلها ، اسند نضالها وشاركها الأجر والرباط ، هي من أخلصت في حبّ الأقصى المبارك ، وصانت الأمانة ولم تفرط فيها وذادت عن حياضه ، وورثت حبّ الأقصى لفلذات أكبادها ، فكانوا فرسان الميدان ، جابهت الظلم والجور والقهر والضيم بالصبر والثبات ، هي عنوان العزة والكرامة على أرض الرباط ..
نظيرات مريم اليوم ضربن المثل الأرقى في الصبر والصمود ومنها يستقين أبلغ الدروس في الإباء والشموخ ، هي واحدة في رمزيتها ودلالتها ومنزلتها ورفعتها وإن تعددت فصول معاناتهن وتشكلت قصص آلامهن ، هي من تحمي حقك في مقدساتك ، لم تشغلها سفاسف الأمور عن جوهرها كما عادة البعض ، فلا تبخل عليها بدعمك ، ولا تتركها فريسة للإحتلال يستفرد بها ..
الشباب الذي ينبهر بحضارة الغرب وديمقراطيته وحرية الرأي السائدة فيه وتقدمه وازدهاره على كل الأصعدة وتجاوب حكوماته مع مطالبه وتبنيه لحقوق الإنسان وحتى حقوق الحيوان !! وقيمه الإنسانية التي تكاد تندثر بفعل الإستبداد في واقعنا العربي ، فالإستبداد ينهج سياسة فرق تسد الواقع المتشرذم يستفيد منه ويقتات منه لإطالة أمده ، وإلا فثورات الشعوب أبانت عن وعي ونضج عالي ووحدة ، وكيف حافظوا على الممتلكات وحموا الأعراض وتظاهروا بسلمية خلاف فرنسا التي تظاهر فيها الشعب بعنف ، وكذا تعاملهم برزانة وحكمة مع احتجاجات شعوبهم ، بعيدا عن لغة التخوين أو شق الصف أو تمزيق النسيج الوطني أو نعته بأبشع النعوت من مرتزقة ومندسين وجرذان وو...!! مما أدمن عليه الإستبداد وتكرر في أكثر من بلد ، كلما انتفض الشعب مطالبا بحقوقه ، ولا يسوقون مسوغات كالتي ساقها الإستبداد ليبيد شعبه أو يعيده لحظيرة الإستبداد ، ويقوم الشباب بمقارنة بين واقع يتوقون إليه وعيشة كريمة تماثله وبين واقع الأمة المزري ..
إلا أن هذا الشباب لا يدري أو فاته أو من يقوم بغسل دماغه له مآربه خلف هذه المقارنة ومايريد أن يحقق خلفها ، الغرب هو من يدعم الإستبداد وعندما تطالب الشعوب بحقوقها المشروعة وتنادي بالإصلاح وتتوق للحرية والكرامة والعدالة الإجتماعية ، يغض الغرب الطرف عن جرائمه بحق الشعوب ، شعوب ثارت بسلمية وقوبلت بالرصاص الحيّ ونيران الدبابة وحملات الشيطنة والتنكيل، هي شعارات رنانة يتغنى بها الغرب ، لكن يمنعها من أن تصل لمرافئنا ، حتى تنعم بها الشعوب العربية ..
والأنكى أنه حتى عندما يرتكب الإستبداد أفظع الجرائم بحق شعبه ، يرممون نظامه المهترئ ويؤهلونه ليحكم من جديد ، وينعتون مفرزاته بالإرهاب وهو من أوجد لها البيئة لتنمو وتعشعش فيه ، بفعل جرائمه وشراسته وفظاعته وبشاعته ، فيرفع شعار محاربة الإرهاب في العلن وعلى الأرض يمارس ارهاب الدولة بحق شعبه ، من تنكيل وتشريد وقتل واغتصاب وتدمير للدول ، يتخذ من مفرزاته ذريعة ليبرر فظائعه ، والغرب الإستعماري هو من نصب وكلاءه ليحموا مصالحه ويؤمنوها له ، ويكملوا ما بدأه من تخلف وتقهقر وتبعية وإلا كيف لدول لها عقود من الإستقلال والوضع يسير من سيئ لأسوأ والفوارق الطبقية تزداد هوة والفقر يستفحل والبطالة تنهش في أوساط الشباب وتهاوي على كل الأصعدة ووو..!
الغرب يدرك أن الشعوب العربية ما إن تنعم بالحرية ويكون لصوتها صدى ووقع وحس ولا تُصادر الدبابة إرادتها أويُعصف بمكتسباتها ويُحترم خيارها ولا يُمارس عليها الوصاية وكأنها شعوب قاصرة ، حتما ستختار وتحسن الإختيار وستختار الأفضل والأصلح والأمين والمخلص في أول انتخابات نزيهة وشفافة تخوضها وهذا ما كان بالفعل ، وهذا المتنفس بدوره سيقود بجهود المخلصين وسواعد الأمناء لنهضة الأمة وهذا ما يرفضه أعداء الأمة ويحولون دون وقوعه ، نهضة أمة ستفضي لإستقلال قرارها ونفض عن كاهليها غبار الذل والهوان ويمحي من سجله سنيّ الإستكانة والرضوخ ، وتعود لمكانتها بين الأمم وتستعيد منعتها وعزتها وقوتها ووحدتها وهيبتها ..
وحتى الإحتلال الصهيوني لطالما لاك مقولة بزعمه : أنه الديمقراطية الوحيدة في وسط يعج بالدكتاتوريات ، وعندما ثارت الشعوب لتلفظها اهتزت اركانه على وقعها وقضت مضاجعه ، لأنه يدرك أنه لن يأتي من رحم الثورة إلا من ينبض قلبه حبا لمقدسات الأمة ، ويعبر بصدق عن نبض الشارع العربي ، الشعوب عصية على التدجين ولازالت تقاوم كل أشكال التطبيع ونظرتها لم تغيرها لمحتل الأرض الطاهرة ومدنس المقدسات ، واصابع الصهاينة لم تعد خافية على أحد في افشال ربيع الأمة واجهاضه ، فهو البوابة لنيل الرضا الأمريكي وهو من سوق للإنقلابات الدموية والتي أوغلت في دماء الأبرياء ، وكل التدمير الحاصل في المنطقة الصهاينة هم المستفيد الأول منه ..
وتكمن الخطورة في استعانة الإستبداد بأبواق السلاطين الذين يستغلون الدين أبشع استغلال ويطوعونه خدمة لمصالحهم ، وهذا ما يستغله من يغسل دماغ بعض الشباب ويوهمونهم أن الغرب ما تقدم حتى نحى الدين وتخلص من هيمنة الكنيسة ، مع أن الإسلام هو من يحض على سبر أغوار العلوم ويحث على اكتساب أسباب المنعة والعزة وفيه قوتها وبه تبلغ الرقي ومصاف عليا ، والإستبداد هو من يحول دون نهضة الأمة ، هو يحمي مصالح الغرب وهذا الأخير يحفظ كرسيه ، أبواق السلاطين تبجل الحاكم وتتزلف له ولا تقوّم اعوجاجه ولا تنتقد سياسة الرعناء ولا تسدي له النصح ولا تقيّم مساره وتزين له أفعله الشنيعة وفظائعه بحق الشعب ..
والأنكى عندما يلوون عنق النصوص لتوافق هوى الحاكم ويفسرون الأحاديث حسن هواه ومصلحته ، الشباب المغيب والتائه يعتقد أن هؤلاء يمثلون الإسلام ، وهم من يبرر سطوة المستبد وهيمنته وهم فقط أدوات في يد الإستبداد ورهن إشارته وفتاواهم حسب الطلب ، أما العلماء والدعاة الحقيقيون إما منفيون أو زُج بهم في غياهب السجون أو مقتولون ، قال الإمام الغزالي : إنما فسدت الرعية بفساد الملوك ، وفساد الملوك بفساد العلماء ، فلولا القضاة السوء والعلماء السوء لقل فساد الملوك خوفا من انكاره.
فينشأ بذلك جيل ملحد ينبهر بالغرب ويعتقد أنه تقدم وازدهر عندما انفك من الأغلال التي أوهمونهم أنها تكمن في الدين وأنه هو العقال الذي يمنعهم من بلوغ ركب التنمية ، ويقلد الغرب في سفاسفه ويغوص في ثقافته ويقلده في كل شيئ دون غربلة !!الغرب قد يكون أخذ بأسباب قد تنفعه في الدنيا لا غير ومع ذلك يعانون من خواء روحي فظيع ، تنظم حياتهم قوانين اتفقوا عليها وما إن ينفكوا عنها حتى يعودوا لنزعتهم الإستعمارية وبشاعتهم ، قوانين يشذون عنها كلما تعلق الأمر بأمتنا ومصالحها وإلا فالمبادئ والقيم لا تتجزأ ، ومع كل ما بلغوه من أسباب الرفاهية تعساء ، ينتحرون لأتفه الأسباب ولا سعادة مكفولة لهم إلا تحت مظلة الإسلام ، أما المسلمين فهم أصحاب رسالة وأمانة وتكليف ولن تكون لهم المنعة والعزة والسؤدد والقوة ، إلا في رحاب الإسلام ، العودة للمنبع الصافي ، هو من سينفعهم في دنياهم وآخرتهم ، ويحقق لهم التمكين وينقذهم من التيه ، حتى ينقذوا بدورهم البشرية ويبلغوا بها بر الآمان ويحققوا لها الطمأنينة والسكينة التي افتقدتها في كل النظم الوضعية ، فهو نظام شامل ومتكامل وينظم حياة البشر ويجد فيه المسلم مبتغاه وحاجته ، ومن يسأل كيف وهل ممكن ؟ هناك نموذج رائع وراقي تحقق في صدر الإسلام وبلغ بعز الأمة مشارق الأرض ومغاربها ، العودة لأحضان الإسلام ، القدوة حاضرة ما على الأمة إلا الإقتداء بها . وصدق من قال : نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله ..