شكل اغتصاب فلسطين بداية لقصة دامية نسجت فصول حكاية مريرة من معاناة شعب مع احتلال مقيت مزق الشمل واحرق الأرض وابعد الروح عن الجسد ، حكاية شعب هُجر من أرضه ، احرقت بساتينه ونسف بيته وحال الإحتلال بينه وبين موطنه ، وقاده السجان لمقابر الموت ليلفظ أنفاسه فيها ، تحت التعذيب ، لكسر معنوياته او يفرج عنه بساومته على ابعاده ، ويقتلع من أرضه بلا جريرة اقترفها ، ذنبه أنه فلسطيني !!
لم تتوقف سياسة الإبعاد و لم تفتر مذ اغتصبت فلسطين ، وإن اختلفت أساليبها ، لكن كل السبل تصب في ما يخطط له المحتل من أفراغ الارض من أصحابها ، عمد الإحتلال لإزالة أي وجود للفلسطيني على أرضه ومحو آثاره كانت البداية بالمجازر المروعة وطمس قرى بأكملها وترويع الآمنين ومع هذا ظل الشعب متشبت بأرضه رافضا سياسة الإحتلال متصديا لها ، احتلال بنى كيانه على أشلاء شعب مكلوم بعد أن مزق أوصاله وهجر أهله ..
تفتقت عقليته المقيتة في خلق سبل شتى لأخلاء الأرض وإزالة أي وجود للفلسطيني فيها ، من تضييق وحرمانه من رخص البناء وهدم المنازل وتغيير معالم الحضارة الإسلامية بدعوى الترميم ، والإستيطان الذي يقضم الأرض وحواجز فرقت الوطن ومزقت أوصاله ، وجدار عنصري دق أسافين الفرقة ومزق شمل العوائل ، واليوم يبتز الاسير وهو تحت رحمته حين خذله الكل ولم يرقى حجم التضامن للجهود والتضحيات التي بذلها الاسير ، مساومة الأسير على حريته بين الإعتقال أو الإبعاد وكلاهما مر ، الأبعاد تمزيق الروح عن الجسد ، والغرض واحد ، حتى يفرغ فلسطين من أهلها ..
سياسة الإبعاد سياسة مقيتة انتهجها المحتل حتى يفرغ أهلها منها ، قسرا أو مساومة أو ترويعا أو... ويُبقي على القلة فيذوبهم في مجتمعه فيصبحوا أقلية في وطنهم ، لا حول لهم ولا قوة ويستفرد هو بالأرض ، ويجتر من بقي آلام الإغتراب في وطنه والتمييز والعنصرية ، الإبعاد جريمة في حق الفلسطيني وما لم تحضى باحتمام بالغ وتسلط عليها الضوء والتفاعل معها بحزم فقد يلجأ المحتل لإبتكار أصنافا وطرق مختلفة من التضييق لتغيير التركيبة السكانية على الأرض فيصبح المواطن الفلسطيني غريبا في موطنه ، المحتل يساوم الأسرى بين الموت أو الموت البطيئ فالإبعاد هو أيضا موت ، فراق الروح عن الجسد ، الأسرى قاوموا المحتل بكل طاقاتهم وتبقى المسؤولية على عاتق الجميع ، والإبعاد سياسة مستهجنة وتبقى معركتهم الشريفة التي خاضوها ، ثورة في وجه الظلم ، حين اغلقت أمامهم كل المنافد .
النشطاء هم وقود الأمة فإن غابوا فترت الهمم واستكان الباقون للإحتلال وهذا ما يسعى له المحتل ، الإبعاد انتهاك للمواثيق التي تُعنى بحقوق الإنسان المعمول بها حيث تجرم هكذا سياسات ، لكن للأسف تبقى حبر على ورق في انتظار من يُفعلها ، ويتصدى لهكذا أنتهاك..
معركة الأمعاء الخاوية خطوة جادة وسلاح فعال ضد صلف المحتل ، وحين نتناول جريمة الإبعاد الأسير ليس من باب بخس تضحياته أو التقليل منها أو اجهاض ثورته ، كلا ، لكن نتناولها من باب تجريم سياسة الإبعاد وخطورتها على مستقبل فلسطين ..
ثورته أبلغت صوته وكانت لها صدى وتحدى غطرسة المحتل ولم ينال هذا الأخير من عزيمته ، أثبت الأسير من خلال ثورته انتصاره على الظلم و فوت على المحتل مبتغاه في كسر إرادته أوشل عزيمته .
لكن للأسف لم نكُن لهم نعم العون ونقوي صموده طبعا كل في موقعه ، وتبقى سياسة الإبعاد جريمة في حق الأسير وتطال أيضا أهله وذويه ، حيث يحرمه من دفئ العائلة ويمزق الشمل ، والخوف من هذه السياسة المجحفة أن تصبح ديدن المحتل ، وتتكرر مع أسرى آخرين فتعتقل نشطاء ومن تمّ تبتزهم وتطيل معاناتهم حتى يرضخوا لسياست الإبعاد ، هي جريمة في حق الاسير لكن حين تكون الهبة والتضامن لا يوازي تضحياتهم ، يستفرد بهم المحتل ويمرر سياساته المجحفة في حقهم ..
تدخل الثورة السورية عامها الثالث وبعد عامين من القتل الضاري و المعاناة والعلقم الذي سقاه النظام الغاشم لشعبه حين صدح بالحرية ، وبعد أن تفرج العالم بأسره على محنة شعب نكل به النظام ...وشرده وهجره عن أرضه ، في حين لم يقدم له أي دعم يوقف شلال الدماء ، تحركات هنا وهناك في غياب حل ناجع ، بل حتى النازحين من فروا من ويلات الحرب طالهم جحيم الفقر والجوع والبرد والنسيان ، حرب كونية يكتوي بنارها الشعب المكلوم ، واليوم وبعد سبات دام عامين استيقظ الضمير العالمي فجأة !! وتذكر أن تمة شعب يُباد على مرآى ومسمع من العالم دون أن يحرك هذا الأخير ساكنا واهتم له اليوم ويريد أن يسلحه ليوقف شلال الدم !! العارفين بالواقع يتخوفون من توقيت هذا الدعم ، خاصة في ظل انجازات للجيش الحر على الأرض ..
وفي حرب غير متكافئة ، حُرمت المعارضة من سلاح تُدافع به عن نفسها أو تحمي مناطق حررتها وأضحت تحت نفوذها وترد هجمات النظام الغاشم في الوقت الذي يواجهها النظام باستخدام كل الأسلحة الفتاكة بما فيها أسلحة تستعمل في مدى أوسع استعملها هو في مجال ضيق وضرب بها الأحياء والذريعة أنها تأوي الثوار فزاد عدد الشهداء من المدنيين ، ولو حرصت الدول التي تلوك مسألة تسليح المعارضة لأقامت منطقة عازلة لتحمي المدنيين ومنها ينطلق الجيش الحر ، حتى لا تصاب الأحياء وتكون التكلفة باهضة وثقيلة ..
منعت بعض الدول تسليح المعارضة بحجج واهية حتى لا تمتد الأسلحة لأطراف أخرى ، والحقيقة غير ذلك ، كانت تتخوف من البديل المرتقب حين يزول النظام ، لكن حين أحسوا أن بقاء الازمة وإطالتها حتما سيخلق بديلا لكنه بديل لن يروق لأمريكا وحليفتها في المنطقة حركوا ملف التسليح ، لو كانت النوايا صافية لكل الأطراف التي اتخذت من أرض سوريا أرض تجاذبات لكان الحل منذ اليوم الأول ، ولما ارتفعت حصيلة الشهداء ل 70 ألف شهيد علاوة على النازحين وما يعانونه من الويلات ، كان الحل في أيديهم لكن تقاسهم جعل من الشعب لقمة سائغة للنظام الغاشم ..
من يؤيد تسليح المعارضة يرى فيها خطوة نحو ازاحة النظام وحسم الحرب ، ففي كل يوم تزداد فيه أعداد الضحايا ، والمتخوفون يعزون تخوفهم من أن تُعطي الخطوة لحلفاء النظام الغاشم ضوء أخضر في تدفق السلاح فهم عازمون على دعمه حتى آخر رمق ولن يتركوه يسقط بسهولة ، ليس حبا فيه بل توافق للمصالح ، وهنا سيزيد النظام من فتكه بالعزل ومن الدمار والخراب ، وهنا لن تبقى الحرب محسورة في أرض سوريا ستبلغ كل المنطقة ، وهذا ما يتخوف منه المتخوفون من تسليح المعارضة ، الغرب لا يهتم للشعب السوري ولو كان الهم هو الشعب لما تُرك لعامين وهو يجتر آلام القهر إن في الداخل أو في مخيمات الموت البطيئ ، هو يهتم لمصالح حلفاءه ، وخوفا من البديل الذي قد يشكل تهديدا لهم ولحلفائهم ..
كان الحسم سيوتي أكله قبل أن تعج الساحة السورية بأطياف عدة ، فقد رفض البعض أن ينضوي في الجيش الحر وهذا يشكل خطرا إن حل السلاح فقد يزيحوا النظام الغاشم لكن قد تفتح سوريا على واقع لم يكن في الحسبان ، الكل جعل من أرض سوريا أرض تصفيات حسابات بيد أن الشعب هو من يكتوي بنار الحرب المستعرة ، والغريب حين يبلغ مسامعنا من يدين تسليح المعارضة وهي روسيا وتصف الخطوة أنها غيرمشروعة بموجب القانون الدولي!! وتناست أن الفيتو ، القرار الظالم هو من أعاق أي حل وهو من جعل الأزمة تستفحل ولو كان الحسم من الأول لجنب سوريا هذا المسلسل المرعب من القتل والدمار والخراب ، لكنها أدوار يلعبها الغرب وبعض العرب ليكون لهم موقع في مستقبل سوريا في حين يدفع الشعب المكلوم من قوته وأمنه ودمه فاتورة غالية ، اللهم أزح عن الشعب السوري الغمة وفرح همهم ، وكن لهم نعم النصير ، اللهم آمين ..

قال تعالى :يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي )
بقلب يلفه الحزن والألم وبعين دامعة وفؤاد مكلوم أرقه فراق الأحبة ، تلقينا نبأ وفاة أمنا الغالية الطيبة المجاهدة * خنساء فلسطين أم نضال *
هو حدث أليم ، هز القلوب وأبكى العيون وأوجعها المصاب ولا نملك إلا أن نقول ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، العين تدمع والقلب موجوع وإنا على فراقكِ أختاه لمحزونون ، هي الأخت الصابرة الصامدة ، ذكرتنا صفحاتها الطيبة بالصحابيات الأول ، هي مدرسة البذل والعطاء ، تخرج منها الأجيال ، نستخلص من عبير مسيرتها العطرة أبهى الدروس ، كما كنا نحتاج لقدوات في تربية صالحة للجيل تنبت لنا جيلا صالحا نفخر به ، كنا نحب أن يكون لنا قدوات من الأخوات المجاهدات من قدمن فلذات أكبادهن ، فداءا لله ثم إخلاصا لفلسطين وثراها الطيب ، قدمت تضحيات جسام لإعلاء كلمة الحق وحماية فلسطين ، كانت الأم الحنون ، امتازت بالقلب الكبير ، أماّ للجميع احتوتهم بحنانها الفياض وطيب أخلاقها ، هي مدرسة للثبات والتحدي والصمود ، أحببناكِ أختاه وكنا نرجو أن نلقاكِ في الدنيا ، وقد رحلتِ عنّا نرجو أن يكون لقاءها تحت ظل العرش إن شاء الله ..
هي نبراس ينير درب كل جيل ، نستخلص من تجربتها القيّمة أبلغ العبر والدروس ، تودع إبنها البار بكل يقين وثبات وهي تعلم أنه راحل وقد لا يعود ، تتجلد بالصبر والجَلد ، صلبة المراس أمام المحن والشدائد ، كان بيتها حضنا للمقاومين ، هي رمز التحدي والصمود ، انجبت لفلسطين مصابيح النور مذ ولدتهم أعدتهم ليوم النزال ، تُدرك بفطرتها إن كان مهجة الفؤاد غالي ، ففلسطين أغلى ، ودعتهم وقد أعدتهم للحور العين ، ابتسامتها لا تغادر قسمات وجهها ، حبها لأولادها الغوالي ترجمته فعلا ، أحبّت لهم الجنة فتسابقوا لنيل الشهادة ولبلوغ القمة ، هي قدوة لنا لنحذو حذوها ، كرست وقتها لفعل الخير والطاعة وبذل الغالي والنفيس لفلسطين ، ذكرتنا سيرتها العطرة الحافلة بمحطات الصبر والتحدي بأسماء بنت أبي بكر حين أعدت ابنها للنزال وأوصته أن يموت على الحق ولا يستسلم وأن لا يركن للدنيا أو يطلبها بل يطلب إحدى الحسنيين إما نصر أو شهادة ..
هي مثال للأم الشامخة الطيبة ، زرعت في خلد أبناءها عزة النفس وحب الأقصى والذود عنه وحبّ الفداء ، ومعنى الأرض المعطاءة ، فجادوا بأرواحهم ليرووا ثراها الطيب الغالي ، أحبتهم ومن حبها لهم أرشدتهم لطريق الجنة وأعدتهم لدرب النور والفلاح ، كانت قدوتها الخنساء من استقبلت شهادة أبناءها الأربعة بصبر ويقين قائلة : الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم جميعا وأرجو أن يجمعني الله بهم في مستقر رحمته ..
علمتهم معنى تحمل المسؤولية ، كان بيتها عرينا للأسود ، أحاطت كل أبناءها المقاومين بحنانها الخالص فهي ينبوع عطاء لا ينضب ، زرعت في نفوس أبناءها كل فضيلة ، تعهدتهم أشبالا وهيئتهم ليوم النصر وصبرت على فراقهم عزاءها أن تلقاهم في الجنة إن شاء الله ، منكِ أختاه استلهمنا دروس التضحية والصبر ، اعتاد المحتل أن يراك الحلقة الأضعف فقط تبكي أخا أو أبا أو زوجا أو ابنا ، بقلب مكلوم لكن اليوم بلغ مسامعه أن فلسطين نساءها لا يلدن فقط الأسود ، بل هن من أنشأن مدرسة التحدي والصمود والإباء والبذل والعطاء ، كان لهن وقع وموقع في المقاومة بكل أشكالها ، تخرج من مدرستها العديد من الطاقات لن تكتمل مسيرتها برحيلها هي معنا بما صنعت في نفوسنا من حب للأرض وبما غرست من فسائل ستثمر إن شاء الله شجرة وافرة الظل متجذرة في الأعماق ، سيكمل المشوار من تتلمذ على يديها الحنونتين الكريمتين ، لن نقول لك أختاه وداعا بل إلى لقاء في جنة الخلد ، إن شاء الله
حين يغلق الأستبداد كل نوافد الحوار ويبدد الثروات ويخلق فُرقة بين مكونات الوطن ، فئة قليلة متنفذة وغالبية تجتر آلام التمييز والفقر والتهميش والمعاناة ، وحين يهوي بالبلد للتخلف ويعيق ركب تنميتها ، ويوقف مسيرة الإبداع فيها ، تأتي الثورة لتعيد القطار لسكته الصحيحة ، تنشد العدل والإنصاف لتبرز الطاقات التي غيّبها الظلم وتنعم في كنف وطن يظللها بالحرية وتنعم فيه بعدل افتقدته ، الثورة تصحح المسار وتعيد الأمور لنصابها ..
تحمل الثورة بين طياتها أهدافا واضحة ، فالثورة التي تفتقر لإهداف واضحة المعالم ما إن يهوي الإستبداد حتى تتخبط وتحيد عن جادة الصواب ، فالثورة قبل انطلاقها ترسم أهدافا تتوحد عليها ، من احقاق الحق وترسيخ شعارات الحرية والكرامة والعدل والعزة والعيش الكريم ، فتعمل عليها حين تزيح الظلم عن كاهليها ، وتجتهد السواعد لتبني الوطن ، وتحقق مكاسب الثورة ..
والثورة الناجحة هي التي تحمل قيما تتجلى في أخلاق الثوار ، وتترجم على الواقع ، ثورة تجمع كل مكونات البلد تحافظ على الممتلكات فهي ذخر لها لا تتعرض لها بالحرق أو التدمير ، تحافظ على نقائها ، ثورة بأخلاق سامية ، قد يعمد الإستبداد لاستخدام القوة لكبح جماح الثورة ومع ذلك فلن تهوي أخلاقك للحضيض الذي بلغه الأستبداد ، تدافع عن النفوس بعيدا عن نوازع الإنتقام والضغائن ، هنا تتجسد قيم الثورة النابعة من أخلاق الإسلام ، لتحفظ نقاءها ، قدوتك في ذلك النبي عليه الصلاة والسلام قارع المعتدي حين حال دون بلوغ الحق للناس حتى تتشرب نفوسهم معاني الحق وتؤمن به عن طواعية ، أخلاق الثورة تتجسد قبل وبعد الثورة..
قبل الثورة تتجلى في أخلاق عالية لا تهوي لأخلاق المستبد وبعد أن ينزاح الإستبداد ، تبدأ معاول الخير تشق الطريق وتبني ما دمره الإستبداد وتكنس مخلفاته معنوية كانت أو مادية ، يشارك الكل في مسيرة البناء ، تزرع معاني سامية غيبها الظلم لعقود ، تنشر العدل ، تزرع حب الوطن في النفوس ، وتمحي ثقافة سادت لعقود من الأنانية وعدم المبالاة عطلت الجهود ، وتغرس معاني جليلة كلها رفعة ،تعلو بقيمة الانسان الذي كرمه الله عز وجل ، وتعيد روابط الاخوة وتبني مجتمعا متماسكا مترابطا يحيي الخير الذي أباده الإستبداد في النفوس فتعود لصفائها ونقائها وتنظفها من ألأوحال التي شابتها ، وتزيل ما تكدس من آفات ذميمة وتزرع معاني الطِيبة ، تزيد المجتمع الوليد لحمة وأخوة..
وتأكد أن القيم التي زرعتها ستنبت خيرا وسيجني المجتمع ثمارها ، رفعة وعزة وأخوة ووفاءا وإخلاصا وحلما وتكافلا وسلامة صدر ، الكل يدا واحدة ، الكل يعمل لتطهير البلاد من الفساد ، تطهيره من الجذور ، اجتثات كل مخلفات الماضي وقطع دابرها ، ومن قيم الثورة أن تزرع الثقة المتبادلة بين كل مكونات الشعب والصبر حتى توتي الثورة أكلها ، فالبلد لازالت مثخنة بالجراح والأمراض ، منهوكة تحتاج لوقت لتلملم شتاتها وتتعافى من أوجاها..
فلا ننسج أحلاما كبيرا تفوق قدرة البلد فتفتر الهمم حين تعجز عن تحقيقها ، بل يكون الكل واقعي مدرك حجم التحديات ، ويعمل الكل على تحقيق أهداف الثورة من كرامة وحرية وعدالة ، والاهم هو بناء الإنسان من جديد ، تأهيله ، العمل على نقاء السريرة ، واحياء كل القيم والمثل العليا التي بدد الظلم معالمها ، ضخ دماء جديدة نقية نظيفة في الجسد ، تسمو به فتشيع معاني الأخوة والتعاون ، الكل يمتطي سفينة واحدة وهي الوطن فإن تركوا البعض يخرقها غرق الكل وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعا ، والإخلاص هو عنوان كل خير ..

دأت القصة حين كان موسى عليه السلام يخطب في قومه فانبرى أحدهم سائلا النبي عليه الصلاة والسلام ، قائلا : هل على وجه الأرض من هو أعلم منك ؟
فلم يردّ العلم لله بل ردّه لنفسه وهنا جاءت المعاتبة من الله له أن هناك من هو أعلم منك ، وهو درس لنا نحن ، مهما بلغ علمنا فلا يساوي شيئا أمام علم الله ، وفوق كل ذي علم عليم فجاءت المعاتبة الخفيفة واللطيفة حتى نستفيد نحن منها الدروس والعبر ، في رحلة طيبة تحمل تحت طياتها علما قيما ، فأخبره الله عز وجلّ أن تمة من هو أعلم منه ، فدله على مكانه ، وأرشده إليه ، واطلعه على أوصافه وبلغه الآية التي بها يتعرف عليه ..
ورغم أن موسى عليه السلام يعلم بمدى المشقة التي سيلاقيها في طريقه ورغم ذلك ركب كل المخاطر ومناه أن أن يلتقي بالعبد الصالح وينهل من علمه الغزير .
ويقف على معينه الوافر ، وبعد جهد جهيد أخيرا إلتقى به عند الصخرة ، فطلب موسى عليه السلام من العبد الصالح مرافته حتى يتعلم من علمه الراشد وينهل من معينه الفياض ، لكن كان العلم الذي أعطاه الله للعبد الصالح فوق طاقته فخشي عليه واشفق عليه منه وأخبره أنه لن يستطيع أن يتحمل ما سيصادفهما من أحداث ولن يصبر حتى يدرك كنه الاشياء ويدرك الحكمة من أي أمر ، لأننا نحن البشر لا نعلم الغيب ونجهل ما وراء أي أمر وما هي غاية منه الله فتكون ردودنا في غير محلها ، لكن موسى عليه السلام أصر على مرافقته وردّ عليه بثقة عالية أنه سيتحلى بالصبر والسمع والطاعة ..
طبعا تابعه ورأى من الامور ما عجز عنه عقله أن يستوعبه وعجز أن يدرك الحكمة التي قضاها الله وقبل إنطلاقتهما رأيا عصفورا يشرب من البحر قطرات قلائل فقال العبد الصالح لموسى عليه الصلاة والسلام : أرأيت ذلك العصفور فما علمي وعلمك من علم الله إلاّ كما نقر ذلك الطير من ماء البحر يعني مهما بلغ علمنا فسنظل قاصرين عن علم الله الذي أحاط بكل شيئ علما، وقبل أن يتفارقا ، أحاط العبد الصالح بكل ما فات النبي موسى عليه السلام من علم ولم يدرك كنهه واطلعه على علم غاب عنه ..
الأمر الأول الذي صادفهم هي السفينة فقد حملاهما صاحب السفينة دون أجر في حين أقدم العبد الصالح على خرق السفينة خرقا طبعا لن يؤثر عليها وستواصل مسيرها ، هنا موسى عليه السلام ثار ولم يقبل الأمر واستهجنه ، كيف يرد الجميل بخرق السفينة والحاق الضرر بها !!
وكلنا نعلم تفسير العبد الصالح لهذا الأمر الذي قام به وهو أن هناك ملك ظالم يأخذ كل سفينة غصبا وأما العيب الذي أحدثه فيها لن يضرها ولن يجعها تغرق فقط سيجنّبها ويقيها جبروت الملك الظالم ، وممكن اصلاح الخلل بعدها
وهنا نستفيد نحن أن لا نحزن إن واجهتنا مكاره أو تعطّلت لنا مشاغل فقد يكون الخير في أن يؤجلها الله لنا وفي ذلك حكمة هو يعلمها ونجهلها نحن ..
أما الغلام الذي أقدم العبد الصالح على قتله والذي أثار غضب موسى عليه السلام ولم يصبر عليه مستنكرا فعله وتساءل كيف يقتل طفلا بريئا بدون ذنب وبدون وجه حق ؟؟!! هنا جاء الرد المبين
أخبره العبد الصالح أن هذا الصبي لو كتب له وعاش سيرهق أبويه المؤمنين بكفره وبطغيانه وسيقودهما حبهما له أن يتبعاه فجاء أمر الله وأقتضت حكمته أن يقتل الصبي الذي يحمل طبيعة الكفر وأن يبدلهما ربهما بطفل مؤمن صالح يعينهما على طاعة الله ..
ونحن نستفيد من هذا العمل أن لا نجزع على أمر فاتنا أو فقد عزيز لنا ، ونرضى بقضاء الله وقدره و نعلم أن الخير فيما اختاره الله لنا ، لا فيما أحببنا ..
أما الجدار الذي بناه العبد الصالح فقد تعب العبد الصالح في بناءه ولم يطلب الأجر ولا الجزاء رغم أن الجوع نال منهما ورغم فضاضة أهل القرية التي رفضت أن تستضيفهما وجعل هذا موسى عليه السلام يطلب من العبد الصالح أن يطلب الأجر لقاء بناء الجدار
إلا أن العبد الصالح أخبره أن تحت الجدار يكمن كنز لغلامين يتيمين في القرية ضعيفين لصغر سنهما ولو إنهار الجدار لبرز الكنز ولا يستطيع الطفلان أن يدافعا عن أنفسهما وكان أبوهما صالحا
وهنا نستفيد درسا مهما أن الله يحفظ حق الأيتام وأن الله يجازي الذرية الصالحة لصلاح أبويها وأن الله لا يضيع أجر الأب الصالح بل يمتد أجره ليعمّ ذريته وأن صلاح الأبوين يكون رحمة للأبناء فالله يحافظ ويحمي حق الضعفاء ويدافع عنهم ..
مقولة تتردد دوما : العدل أساس الحكم ، ففي ظلال العدل تصفو النفوس وتجود بالعطاء وترقى تطلعاتها ، لأنها لا تحس أن أحدا سيهضم حقها حقها مكفول ، عندها تتكامل كل الجهود وتفضي لنهضة الوطن ، وعندما يبسط العدل رداءه وينعكس مردوده على كل فئات المجتمع فتنعم في كنفه ، الكل يتقن عمله في أي حقل كان ، لكن حين يحل الظلم والجور ويكتم الإستبداد على الأنفاس جيل بعد جيل تتوقف عجلة التطور ويتوقف العطاء ، وتكبل الحركة ، لأن استبداد يساوي بين الصالح والطالح فتفتر الهمم ، وتختل الموازين وينتشر الفقر والجور وتغدو الحياة رتيبة لا طعم لها ، وتنطفئ جذوة العطاء ، وتخلد الأمة لسبات عميق يعطل الطاقات ، وتستسلم لواقع مرير .
وحين تكسر الشعوب جدار الخوف ينبعث الأمل من جديد فتنطلق من عقالها تبغي الإنصاف وتنشد الحرية والعدل ، وتتطلع لعالم عادل لا يحابي أحدا ، يلبي طموحها ويغير من حالها ويعيد لها نبض الحياة ، وحين يبلغ الوعي حسها تنتفض ، مهما كانت التضحيات الجسام مادامت حددت هدفها ، إلا أن من المهم أن تعي الشعوب أن الثورة هي أيضا لها ثقافة ، حتى تقف على حجم العراقيل لترسم لثورتها مسارا يقودها نحو التحرر ، الثورة المصرية والتونسية كان الجيش بعيدا عن مسرح الأحداث له دور منوط به لم يتخندق مع أحد وبقي يحمي الكل ، لكن في سوريا تغير المشهد ، ففي الوقت الذي نلمس تجاوبا بين الجيش والشعب في بلدان أخرى ، في سوريا الامر يختلف ، لذلك أخذت منحى آخر فقد حولها المستبد لمسلحة بعدما كانت سلمية رفعت فيها الآيادي الزهور وخطت أنامل الاطفال عبارات الحرية على الجدران ..
الثورة قد تكون عفوية وقد تثمر بعد جهد وقد تمر بخطوات ومشوار طويل لحتى تنضج وتينع ثمارها ، تخطيط مسبق والعمل على نشر ثقافة الثورة بين كل مكونات المجتمع حتى حين تكون النفوس مهيأة وتبلغ ساعة الإنطلاقة عندها تعلن انطلاقتها ، بل تمتد خطواتهم لما بعد الثورة ، ومن تم تشكيل قيادة تقود الثورة وتقسم الأدوار ، منسجمة مع الكل حتى تتفادى الإصطدام ، فالإستبداد له أوجه وما يُنجح الثورة هنا قد يفشلها في بقعة أخرى لذلك مطلوب دراسة لكل خطوة قبل الأقدام عليها ، الثوار وطّنوا أنفسهم لكل خطب ، لكن عند التخطيط تتفادى كثير عراقيل وتتضح الرؤيا وتحدد الهدف ..
الإستبداد أطلق جذوره ، ليس من السهل أن تقتلعه إلا إذا نشرت ثقافة الثورة ، وتعمل لتكون الأجواء قابلة للإنطلاقة ، ولا تقف أمامها أية حواجز بل قد تكون لك خطة لأقتلاع الإستبداد من الجذور ، حتى تنتفي ما يسمى بالدولة العميقة ، لأنك حين تسعى لأمر دون دراسة أو لم ترسم له الهدف قد تقف أمامك منغصات عدة وقد يشكل الآخر ثورة مضادة لأفشال ما تحقق ، أو يربك حساباتك ، قد ينتعش الفساد من جديد حين يجد تربة لم تُستخلص بعد من بقاياه ، ولم تبلغها ثقافة الثورة ..
الثورة تحتاج لقيادة ترشدها وتعمل لحمايتها من أي فشل أو تشويه وتحتاج لتخطيط للمستقبل ، لأن العمل الغير المدروس يؤثر على السير وما إن ينزاح الإستبداد حتى تبرز الخلافات ، ويخلق الآخر جو عدم الإستقرار ويزعزع الامن فالقيادة تحرص على توحيد الهدف ونقاء الثورة ، وخلق جو تقارب بين كل مكونات المجتمع ، وتبنى جسور حوار لتحمي ثورتها من أي انزلاقات تهوي بالجهود ، والمهم أن يبقى الوعي متنامي ولا يخلد البعض لسبات يقتل الهمة ويجمد الفكر ، وتنشر ثقافة الثورة حتى تنضج ألأفكار ليكون المردود نافعا وتكون النفوس قد تشربت معانيها ووفرت لها كل جهد لنجاحها ...

عندما حازت فلسطين على عضو غير مراقب في الأمم المتحدة استبشر الفلسطيني خيرا وعدّه البعض نصرا مؤزا وفتحا مبينا !! وأنه خطوة جادة في رفع المعاناة ووقف الإستيطان ومحاكمة المحتل على جرائمه واستثمار الخطوة في انصاف المظلوم وتحقيق الحق وتفائل البعض به وأن تغييرات ستتلوه وتعود بالخير على القضية ، غير أن الأحلام تبددت وبدأت تضيق ويخبو التفائل أمام تعنت المحتل واستمراره في سياسته التي دأب عليها ..
وبدأ الفلسطيني يتساءل ما الذي تغير !! وكل الملفات بقيت عالقة بل زادت سوءا وخاصة ملف الأسرى خلف السجون وهناك من يقبع في الأسر دون أن توجه له أية تهمة ، وطوت معاناتهم الأيام في صمت مطبق ، غير أن استشهاد الاسير عرفات جردات أعادت ملفهم للواجهة ليقف الجميع على حجم المعاناة ، هي جريمة نكران تنضاف لسجل المحتل الأسود ، جريمة في حق الأنسانية ، من خلف الأسلاك حكايات تُروى تختلف من شخص لآخر عنوانها واحد : معاناة
حكاية من آلاف الحكايات التي ترويها أجساد منهكة كُتبت لها الحياة لتكون شاهدة على ما يعانيه الأسير من تعذيب نفسي وجسدي، ولتقص علينا ولو النزر القليل منها ويمضي الأسير لمثواه الأخير يحمل معه اسرار معاناته ما يعجز عن وصفه القلم و اللسان ، أقبية التحقيق أضحت مقابر للأحياء ، تكسير لمعنوات الأسير بشتى أنواع التعذيب لينالوا من جسده ونفسه وروحه وتنكسر عزيمته وصلابته ، استخفاف بكرامة وآدمية ألإنسان ، وأقسى أنواع الإعتقال الذي ابتكره المحتل !! العزل الإنفرادي ، الذي يترك أثرا قويا على نفسية الأسير ، وبدل احصاء شهداء الأسرى العمل على وقف التعذيب وتحسين ظروف المعتقل والعمل على تحريرهم ، أمام هذا الوضع المرجح للتفاقم فهناك أسرى يعانون وشبح الموت يطاردهم في كل وقت وحين وحياتهم مهددة ، يخوضون اضراب الكرامة ، ألا يدعونا هذا لمقاضاة المحتل على جرائمه فهو قد صادق على ميثاق جنيف الذي يحضر التعذيب ويجرمه ؟
هذه مسؤولية الكل وخاصة المؤسسات التي تُعنى بحقوق الإنسان والدول التي صادقت على اتفاقية جنيف ..
بدل انتظار تحقيق المحتل الغير النزيه المطالبة بتحقيق شفاف ونزيه لبلوغ الفاعل ومحاسبته ، قضاء المحتل غير جدي ومنحاز ومحابي للظالم ، ولا يحمي حق الأسير ، وتفعيل الإنجاز الذي حضيت به فلسطين في الأمم المتحدة وإلا ما جدواه إن لم يرفع ظلما ولم ينصف مظلوما ، البعض قال : لن يذهب لمحكمة الجنايات إلا في حالة اعتدت فيها ( اسرائيل ) ألا يُعد استشهاد الأسير عرفات اعتداءا صارخا ، أم هو استهانة بالدماء والأرواح ..