الخميس، 3 سبتمبر 2015

سوريا جرح طال نزيفه..



عندما اشتدتِ المحن بالمسلمين في مكة هاجروا إلى المدينة ، هناك استقبلهم الانصار بالحفاوة والترحاب ، وجدوا على أرضها الالفة والمحبة والسكينة وكانت لهم الحضن الدافئ والمقام الطيب ، وأول ماقام به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام بعد بناء المسجد ، آخى بين الانصار والمهاجرين ، أخوة حقيقية تجسدت على أرض الواقع مؤازرة وتعاضد وتلاحم ومناصرة ومساعدة ومعاونة ، غدوا كالجسد الواحد في السراء والضراء ، وكالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ومنه انطلق النور ليبدد عتمة الفرقة والتشرذم ويشيع الالفة والمحبة ، مهد هذا التآخي للامة أن تصبح قوية تجابه التحديات وتتغلب على كل ما يعيق مسارها وتقف بقوة وصلابة أمام عدوها وتنتصر عليه ..

عزز سيد الخلق عليه الصلاة والسلام في نفوسهم أواصر الاخوة وقوى روابطها ، فضربوا أروع الامثلة في الإيثار والتعفف والوئام  والتلاحم، لم يبخلوا على إخوتهم بل جادوا عليهم بكل ما طابت له أنفسهم ، فتحوا لهم قلوبهم وبيوتهم وتفانوا في محبتهم ،وهكذا انتصروا ومكن اللهم لهم في الارض ، أُسس ودعائم قوية كانت النواة الصلبة لبناء مجتمع متماسك قوي ما أحوج الامة لهذه المعاني العالية تعيد لها وهجها..

وعندما غابت هذه اللحمة وهذه المعاني الراقية ، رأينا كيف يموت اللاجئون السوريون والفلسطينيون ممن هربوا من حجيم الحرب الدائرة في سوريا ، يفرون من دول الايواء لأوروبا ليبتلعهم البحر ومن نجا منهم يشق طريقا وعرا وشاقا لبلوغها ، ولو قوبلوا بالحفاوة واُحترمت آدميتهم في دول الإيواء لما غامروا بأرواحهم ولما خاضوا رحلة محفوفة بالمخاطر بحثا عن الامن والامان أفتقدوه وبيئة تحقق لهم مقومات الحياة الكريمة وتحفظ انسانيتهم وكرامتهم وتدعم صمودهم .

هاجروا وطنهم تاركين خلفهم وطنا ذبيحا ينزف ، وطنا مثخنا بالجراح ، يستغيث نخوة الاحرار ليحموه ويدافعوا عنه و يمدونهم بدعم يزيحون عن كاهليهم الضيم والقهر وكأس المنون التي سقاها لهم النظام الغاشم ، تركوا الدور والبيارات والحقول والذكريات الجميلة التي عاشوها بين ربوعه وبين أحضانه، وحملوا في قلوبهم آمالهم العريضة ، في أن يروا سوريا الجديدة وقد لملمت جراحها وتعافت من أوجاعها ، خاضوا رحلة شاقة ومريرة حتى بلغوا ما اعتقدوا أنه مرفأ للامان!! يأملون أن تضع الحرب أوزارها ويعودون لحضنه ، فقد طال الوجع السوري وطال نزيفه ..

ومن صُور المعاناة وصنوفها في دول الايواء ما قصه اللاجئون بمرارة والقصص كثيرة تدمي القلب وتدمع العين ، من اعتقال واحتجاز وسوء معاملة والتهديد بإعادتهم لجحيم الحرب  ، وكيف لمن نكل بشعبه الذي طالب بالحرية والكرامة أن ينصف غيره من الشعوب المكلومة أو يحفظ كرامتهم ، وكيف بمن زج بالاحرار والشرفاء السجون ويسومهم سوء العذاء ويلقون في أقبيته المعاملة القاسية أن يلق غيرهم فيه حسن المعاملة !!وفي لبنان تطالعنا الاخبار اليوم عن أسرة سورية باتت ليتها في العراء ، لعدم قدرتها على دفع الايجار ، فطردهم صاحب البيت ، عدا عن خيم القهر والتشريد لا تقيهم حر الصيف ولا قر البرد وعن استغلال حاجات العوائل في غياب المعيل وو..

هؤلاء وغيرهم ممن يعانون الامرين في دول الايواء ، يحسون بمرارة الغربة في وطن الجوار ،هم من يخوضون رحلة البحث عن حياة كريمة عبر قوارب الموت ، يعرضون أنفسهم لمصير مجهول ، وبدل لوم المهربين ، توجيه اللوم لمن اضطهدهم ومن دفعهم لخوض هذه الرحلة المميتة ، ومن دفعهم للهروب من وطنهم ومن حرمهم دفء موطنهم ومن اغتال ابتسامة اطفالهم ، لو وجدوا احتراما للانسان في دول الجوار لما فكروا في الهجرة ، مآسي اللاجئين وما يلاقونه من محن في طريقهم وموتهم في عرض البحر ، وصمة عار على جبين كل المتخاذلين ،كل من شارك في إطالة المحنة إما صمتا أو تواطؤا أو منع عنهم السلاح النوعي الذي يحسم المعركة ، ووصمة عار على جبين من يتشدق بحقوق الانسان وكرامته وشعاراتهم الرنانة عن الديمقراطية ، الغرب يتحمل أيضا مسؤولية ما جرى ويجري للشعب السوري المكلوم .

هذا الغرب الذي بدأ يتأفف من تدفق اللاجئين على أراضيه ، بل بلغ بالبعض تعليق يافطات كتب عليها : لا نريدكم على أراضينا !! هو أيضا يتحمل مسؤولية ما يعانيه اللاجئون ومآلهم المزري ، فهذا الغرب هو من كان يغض الطرف عن أفعال الاستبداد الشنيعة بحق شعوبهم بل يدعم بقاءهم جاثمين على الصدور ، غير أن الدول التي ترفض عبور اللاجئين عبر أراضيها أو تعرقل مسارهم نحو وجهتهم وتسيئ معاملتهم ، لا تتصرف من نفسها ، بمعنى الدول التي يسعى اللاجئون لبلوغها تقول لهم : لا نريدكم على أراضينا !! لا تقوله صراحة لكن تقولها بطريقة مبطنة عبر تكليف من يعرقل مسيرهم ويوقف تدفقهم. علّ وعسى تدفق أفواج اللاجئين لاوروبا يجعلها تعيد النظر في سياساتها نحو المحنة السورية وتبحث عن حل للازمة .. 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق