الثلاثاء، 13 فبراير 2018

أجمل الأمهات ..



وأنت تصغي لكلمات السيدة ختام جرارأم الشهيد أحمد جرار ، المؤثرة والمفعمة بالمشاعر الجياشة ، والتي اتسمت بالثبات والصمود والشموخ والفخر ، تتحدث عن تربيتها الصالحة لإبنها البار ، ولسانها لا يفتأ يلهج بالحمد والشكر والرضا على ابنها الغالي ، لا يسعك إلا أن تحني هامتك احتراما واجلالا وإكبارا للأم الفلسطينية ، التي تدرك أن الضنى غالي وأن الوطن أغلى ، ويستحق أن يُفتدى بالمهج والأرواح ..

مثال للأم الفلسطينية التي تزرع في قلوب أبنائها حب الوطن ، والإنتماء للأرض المعطاءة ، قبل خمسة عشر سنة قدمت السيدة ختام الزوج المضحي ، الذي قاوم الإحتلال ببسالة ولم يستسلم حتى لقي الله شهيدا ، لم يثنيها فراق رفيق دربها عن تربية ابنها التربية الصالحة ، التربية التي أثمرت فارسا مغوارا ومقداما ومحبوبا من الجميع والكل يثني على خلقه الحسن وطيبة قلبه ، الحريص على وطنه ، يستميت في الذود عنه والدفاع عليه ..

من دوخ الإحتلال وقض مضجعه قرابة الشهر ، قلب المنطقة رأسا على عقب بحثا عنه ، جيش بكل جبروته يطارد فردا واحدا ! لا يريد للنموذج أن يحتذى به ، ولا للأيقونة أن تتكرر ، ولا للرمز أن يستمر ، وبإذن الله سيتكرر طالما هناك احتلال جاثم على الأرض ، وشعب يتعطش لنيل حريته ، شعب ينبض قلبه حبا لوطنه ، وطن سكن الوجدان وتحمله المقل وتفديه الأرواح ..

تستقبل السيدة ختام التهاني والتبريكات على شهادة ابنها ، محتسبة وصابرة ، تربيتها الصالحة لفلذة كبدها ، مكنته من المضي في نهج أبيه ، الذي سطره من قبل بدمائه الطاهرة ، ما يثلج قلوب أمهات الشهداء ، التلاحم والتكافل والتعاضد ، وتقدير معنى الشهادة ومعنى البطولة ، معنى أن تضحي بأغلى ما حباك الله إياه ، ليبعث للإحتلال برسالة ، مفادها : أنت احتلال  ، مرفوض على أرضي ، سأقاومك إلى آخر قطرة من دمي ، ولن يقر لك قرار حتى دحرك من ترابها الطاهر ..

لازال الفعل المقاوم يلقى الإستحسان والترحاب والإلتفاف ، رغم كل ما عانته الضفة من تضييق ، والتنظير المغشوش عن التعايش! التعايش المستحيل ، في كل النحل والملل وفي أي زمان ومكان ، كانت العلاقة بين المحتل والشعب الذي يرزح تحت نير الإحتلال مقاومة ومجابهة ولم تكن يوما طبيعية ، مع كل ما يقدمه الشعب الواقع تحت احتلال من تضحيات ، يواصل المشوار ولا يتقاعس عن نصرة حقه ومواجهة الإحتلال ..

عودة للسيدة الوقور من اكتسى قلبها بالرضا ، وامتلأت روحها بالثبات والصبر واليقين ، تتحدث بهدوء وطمأنينة ، تذكرنا بنساء خالدات ، سجل التاريخ أسماءهن في صفحاته بمداد من فخر واعتزاز ، الخنساء التي قدمت أربع من ابنائها شهداء وتجملت بالصبر ، وكلها إيمان بأن تلقاهم في الفردوس الأعلى ، بإذن الله ، وأسماء بنت أبي بكر من ودعت ابنها وكانت توصيه أن يموت كريما ولا يستسلم ولا يطلب الدنيا بل يموت على الحق ، وهاهي خنساء فلسطين القدوة الصالحة تسير على نفس النهج ، تقدم يوميا فلذات أكبادها ، فداءََ لله ثم الوطن ..

يتوهم الإحتلال أنه بجرائمه ، سيقهر قلوب امهات الشهداء أو يحرقها ، فتتقاعس عن نصرة الحق وعن تقديم مهجة قلوبهن للدفاع عن الحق والإستماتة عليه ، إلا أن جلد أمهات الشهداء وصبرهن فوت وسيفوت عليه مآربه ، ودماء الشهداء لا تذهب هدرا بل تزهر ثورة ، شموخ أم الشهيد واعتزازها بشرف الشهادة يلهب حماسة الشباب ، كم من شهيد كتب في وصيته وخص بها أمه ، يوصيها فيها أن لا تبكي في عرس الشهادة بل تزغرد وهي تزفه للحور العين ، الأم الفلسطينية عطاء متدفق وقلب يخفق بالحنان ، هي أم الأبطال وأم الرجال ، والشهيد وطن نفسه لنيل إحدى الحسنيين : إما نصر أو شهادة..

بون شاسع بين صهيونية تنوح عند مقتل ابنها أو تهدها الصدمة حين يُؤسر مع الفارق أن تكون أسيرا في سجون الاحتلال وتلقى المعاملة السيئة وأسيرا لدى المقاومة من تعامله بأخلاق الإسلام ، بينما ألأم الفلسطينية كل يوم هي على موعد مع عرس الشهادة ، وخلف القضبان قصص وحكايا الصمود ، عن أجساد لم ينل من عزيمتهم الأغلال ولم تكسر إرادتهم القيود ، هنا يكمن الفرق بين صاحب الحق ، الذي يفديه بدمه وبين المحتل المغتصب للحق ، الأم الفلسطينية تحب أبنها ، هي ينبوع حنان لا ينضب ، تتمنى أن تراه في القمة ، والشهادة هي من ترفع من قدره وتسمو به ، وتعلي منزلته في الدنيا وتثقل ميزان حسناته في الآخرة ، الأحتلال يواجه شعب أبي يرفض الإستكانة ، أرض فلسطين مع كل قطرة دم زكية تنساب ، يفيض العطاء ويتنافس الشباب لنيل وسام الشهادة ..

عندما استشهد والد الشهيد ، قال أحد الصهاينة : أنهم محوا ذكره ، إلا أن عرين الأسد ضم شبلا ، سار على نهج أبيه ، وأم تعهدته بالتربية الصالحة ، فذكرهم بملحمة أبيه الشهيد البطل الذي أرهقهم ، كانت هدية الوالد لإبنه : كتاب الله تعالى ، لم يفارقه يوما ، ظل يحمله حتى اسلم الروح لبارئها ، القرآن كان الذكرى التي ظل الشهيد يحتفظ بها بعد أن هدم الإحتلال البيت عند استشهاد الوالد ، هدية غالية على قلب الإبن ، لم يفرط فيها رافقته في مشوار حياته ، حتى لقي الله شهيدا ..

عندما تقف على اليقين العالي وشموخ وكبرياء أم الشهيد ، تُدرك أنك أمام شعب واعي ، لا تفت في عضده المحن ولاتوهن من عزيمته الشدائد ، بل تزيده صلابة وقوة وعنفوان ، كيف لا وأرض فلسطين أرض مقدسة ومباركة وطاهرة الثبات عليها رباط ، وقال عنها عليه الصلاة والسلام وعن أهلها الكرام : لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله. وهم كذلك ، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس ..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق